بسمِ الله العظيمِ الجبار، الكبير المتعال، ذي العزةِ والجلالِ والإكبار، المُنزه عن الشبيه والمثال.. والصلاة والسلامُ على رسولهِ محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،
أيها السادة. هذه كلمةُ حقٍ أبرؤُ بها إلى اللهِ من كلِّ مبدعٍ أساءَ استخدامَ الإبداع. وأبرؤُ بها من كلِّ إهانةٍ إلى الدين، أو سوء أدبٍ معَ الذاتِ الإلهية.
اتفاقٌ عام :
اللهُ عزَّ وجل، ليسَ حقيقةً مجردة. بل هوَ إيمانٌ يرسخُ في النفس. واعتقادٌ يصدقه العقلُ، ببساطة لأن جميعَ الشواهدِ تؤكدُ على وجودِ الله. على وجودِ إله. والعقلُ البشريُّ بطبيعتهِ الفسيولوجية لا يُمكنه تخيلَ سعةَ هذا الكون، كما لا يُمكنه تخيلَ عظمةَ بعضِ الأشياءِ في هذا الكون، مما يضعنا أمامَ حقيقةٍ مؤكدة، أنه بالضرورةِ لا يُمكنه عملياً وفسيولوجياً تخيلَ صانعَ هذا الكونِ ومبدعه ( اللهَ جلت عظمته )، أو تخيلَ الذات الإلهية. ولسنا بحاجةٍ للبسطِ في إيضاحِ ذلك.
لذا أتقدمُ بحديثي هذا إلى الجميع، إدارات الموقع، والإشرافُ والأعضاء والناشرين بجميعِ توجهاتهم و أشكالهم. وأخصُّ بالذكرِ أصدقائي المجانين، والمبدعين، والمتسكعينَ المتشردين. الحانقينَ الغاضبين. الثائرين الحائرينَ الضالين.
***
يا سادة. الإيمانُ باللهِ ليسَ إيماناً بحقيقةٍ من الحقائقِ العلمية أو الدنيوية التي تخضع لنقدِ العقلِ وتحليله. كما الإيمانُ بيسوع لا يُمكنُ أن يكونَ كذلك لدى من يؤمنونَ به. لذلكَ لا يُمكنُ لمن يدعي الإيمانَ باللهِ أن يسخرَ من هذا الإيمان، أو يتجرَّأ على الإساءة إلى معنى الله، أو إلى شئٍ يمسُّ الذات الإلهية المقدسة. كذلكَ لا يُمكنه توجيهَ النقد، أو العتاب، أو الاستدراك، أو اللوم على الله جل جلاله. وحتى على القدر، أو الدهر، ِ وإن كنتُ أنا شخصياً ارتكبتُ هذه الفظاعة عدةَ مرات، لكنني أستغفرُ الله من ذلك وأتوبُ إليه.
ليسَ سبباً :
الإبداعُ يا سادة شئٌ، والإساءة إلى ذاتِ الإلهِ شئٌ آخر. الحزنُ ليسَ سبباً. الإبداعُ ليسَ عذراً . الحريةُ العقليةُ في التفكيرِ اللامحدود ليست مبرراً . كلُّ ما يُمكنُ أن يخطرَ على بالِ أوسعِ المبدعينَ خيالاً، وأكثرهم جنوناً، وأسماهم فكراً، وأشدهم حزناً وضجراً، كلُّ ما يمكنُ أن يخطرَ على بالِ الخليقةِ جمعاء لا يُسَوِّغُ إساءةَ المخلوقِ للخالق.
يا سادةُ، إن الإيمانَ بالله، ثمَّ الإساءةَ إلى ذاته، لهو سخفٌ وتناقضٌ لا ينبغي أن يقعَ فيهِ مُدَّعو الحريةِ الإبداعيةِ، والثورةِ الحداثية. فأن تؤمنَ بحقيقةٍ ثمَّ تسئُ إليها أو تشتمها، فلماذا تؤمنُ بها أصلاً ؟ خيرٌ لكَ لو جحدتها من البداية، ثمَّ اشتمها وأسئ إليها كيفَ تشاء.
يا سادةُ إنَّ العقلَ إرثٌ إنساني. فضلنا الله به على مخلوقاته. تلكَ المخلوقاتِ الحيوانيةُ التي تُسبحُ بحمدِ خالقها، وتمجدُ عظمته. هذا العقلُ ينبغي أن يمنعنا عن أشياءَ كثيرة، لكن يحدثُ أن يتجاوزَ العبدُ الضعيفُ حُدُودَه تحتَ مسمياتٍ كثيرة، وأحدها هوَ الإبداع.
يحدثُ أن يتجرَّأ المخلوقُ الضعيفُ على خالقهِ العظيم. ذلكَ الخالقُ الذي وردَ في سفرِ إرميا في الكتابِ المقدسِ لدى النصارى وصفَهُ كإلهٍ حقٍ جبار، ولا يُقصدُ هنا عيسى عليهِ السلام بل يُقصدُ الله : ” أمَّا الرَبُّ الإلهُ فحقٌ. هوَ إلهٌ حَيٌ ومَلكٌ أبديٌ. مِنْ سُخطهِ تَرتِعدُ الأرضُ، ولا تُطيقُ الأممُ غَضَبَهُ. “.
ولم أستشهد هنا ببعضِ آياتِ القرآن الكريم ؛ حتى يكونَ الأمرُ أوضحُ وأدعى للتأثير فيمن يرغبُ بالتأثر. كذلك فإنَّ آياتَ القرآنِ في التدليلِ على عظمةِ الله وجبروته كثيرة جداً، قد يحسنُ غيري عرضها وجمعها، فقراءة الإنجيلِ دونَ القرآن كانت من عاداتي ، مما يدلكم على أنني بحاجةٍ إلى الكثيرِ من الإيمان والتوحيد الإسلامي المتجدد، والذي أسعى بهذه المقالةِ أن أحوزَ بعضه.
أصدقائي. يا سادةَ المحوِ، وسادةَ الكلمة. يا سادةَ الجنونِ في كلِّ زمانٍ ومكان. يا رفاقَ البوحِ الآثم. أيها المذنبونَ الضالونَ الغاوون. أيها الشعراءُ والمتكلمون. نداءٌ إليكم جميعاً. الله عز وجل مقدس بجميعِ ما تحملُ هذه الكلمة في نفوسكم من معاني ساميةٍ ومقدسة.
أأقولُ مقدسٌ مثلَ شهواتكم ؟ تعالى الله عن ذلك.
أأقولُ مقدسٌ مثلَ جنونكم ؟ تعالى الله عن ذلك.
أأقولُ مقدسٌ كنصوصِ من تقرأونَ لهم وترتعشونَ ؟ تعالى الإله الحق عن ذلك.
هل أقولُ مقدسٌ كأطهرِ وأغلى وأجملِ ما تؤمنونَ به. أيضاً لا يُمكنني قولُ ذلك.
فقط إنه مقدسٌ بكلِّ المدلولاتِ اللامحدودةِ للكلمة، واللا مُدركة.
مقدسٌ لدرجةِ أنه يستعصي على الخيالِ تصوَّرَ الإساءةِ أو الاستهانةِ بذاته عز وجل. كذلكَ لا يُمكنُ تصوَّرَ غضبهِ وجبروته في التعاملِ معَ هذه الإساءة، سواء في الدنيا أو في الآخرة، فهوَ من سخطهِ ترتعدُ الأرضُ ولا تطيقُ الأممُ غضبه. ومثلما هوَ غفورٌ رحيمٌ كما نطمعُ جميعاً، فإنه شديدُ العقابِ كما نخافُ جميعاً.
يا سادة. الدينُ أيضاً قضية لا يُستهانُ بالإساءةِ إليها. أو التهجمُ على أحدِ حقائقِ الدينِ الثابتة.
إنَّ كلَّ واحدٍ فينا هو مسلمٌ بالافتراض إلا إذا أعلنَ غيرَ ذلك. لذا فعلى من يرغبُ بممارسةِ الإبداعِ عن طريقِ الإساءةِ إلى الذاتِ الإلهيةِ، أو أحدِ حقائقِ الدين، فعليهِ أن يكفرَ باللهِ أولاً، ثم يكفر بالدين، ليمارسَ الإبداع بطريقةٍ منصفةٍ وصادقةٍ، على الأقل ذوقياً.
من يودُّ أن يخلعَ عباءةَ الدينِ عن نفسه، ويُظهرَ شجاعته في إبرازِ معتقده الذي لا يحترمُ الذات الإلهية أو الدين، فليفعل ذلكَ مشكوراً. لنناقشه ونخاطبه على أساسٍ من الصراحةِ والحقيقةِ المتبادلة.
أوليستِ الحقيقةُ فخرنا جميعاً ؟ أوليست مطلباً دائمَ الإلحاحِ في كلِّ مطالعاتنا وكتاباتنا وحتى جنوننا ؟ أولسنا نسعى إلى اكتشافِ الحقيقةِ كي ننصفها ونبرزها حجةً كالشمسِ في وجهِ من لا يؤمنُ بها ؟
فالحقيقة تقتضي من كل من يجدُ إبداعَه لا يستقيمُ إلا بالإساءةِ إلى الذات الإلهية، أو الدين، تقتضي منه الحقيقة أن يعلنَ لنا كفره بكلٍّ من اللهِ والدين.
***
سأعرضُ لنماذجَ من الإساءات التي قد يجدُ البعضُ لها عذراً ويحسبُ أنه وقعَ على حجةٍ تُخولُه قولَ ما شاءَ تحتَ ادعاءاتِ الرمزية والمجاز الشعري وغير ذلك :
مثلاً. يريدُ مبدعٌ أن يُعبرَ عن أن الدينَ قد قُتلَ في هذه المدينة، وأنهم لا يُقيمونَ وزناً لله ولأحكامه وشرائعه. فيقول معبراً عن ذلك :
” والله مقتولٌ على بابِ المدينة..! ” أفليسَ هذا سوءُ أدبٍ معَ الله. ألا يقتضي مجدُ اللهِ العظيم أن نتحدثَ عنه بطريقةٍ أكثر تهذيباً ولا نظهره مقتولاً وكأنه ضعيف عاجز أن يُهلكَ هؤلاءِ الأقوامِ الذي انتهكوا حرمةَ الشرائعِ والدين ؟ حتى ولو كانت الصورة مجازية أو رمزية. فإنها لا تتوافق معَ مجدِ الله العظيم.
كذلكَ يُقولُ نزار :
” من أين يأتي الشعر يا قرطاجة..
والله ماتَ وعادتِ الأنصابُ..”
وسُق على مثلِ هذا المنحى الكثير من المعاني والمجازات التي تردُ في شعرِ الشعراءِ، وكتاباتِ الأدباء، خصوصاً أدونيس ( شاعرٌ فادح )، ومحمود درويش ( شاعرٌ جبار )، ونزار وغيرهم الكثير.
مثلاً. يقولُ لي أحدُ الأصدقاءِ معبراً عن احتقارهِ للعالمِ، وللدنيا :
” يا صاحبي، كل ما في الأمر أنني أرى العالم أحقر من أن أكترثَ له، فأتحدث كما لو أن الله حفيدي.. ! ”
أليسَ هذا سوءُ أدبٍ معَ اللهِ عز وجل، بل وامتهانٌ فظيعٌ وفاضحٌ للذات الإلهية، وللإيمان، وللقداسة، ولكلِّ شئ ؟
” فارجع البصرَ هل ترى من فطور ” إلى صديق.
***
قرأنا جميعاً – أو قرأَ بعضنا – الرسالةَ التي كتبها الشاعر اللبناني عقل عويط إلى الله، والتي كانت بدافعِ البؤسِ والقهرِ واليأس. وهوَ رغمَ إعلانهِ ذلكَ في بدايةِ رسالته، بقوله : ” لا تحدياً أخاطبكَ إنما يأساً “. إلا أن الرسالةَ تتناقضُ معَ نفسها في أكثر من وجه. والكاتب نفسه يتناقضُ معَ الحقيقةِ في جزءٍ كبيرٍ من مجملِ أفكار الرسالة. ويكفي لمن يقرأها، سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو أياً كانت ديانته، المهم أن يكونَ مؤمناً بالله، يكفي له أن يشعرَ بتلكَ الرهبة التي تنتابه، والقشعريرة التي تسري في خاطرهِ وجسده، ليدركَ أن الشاعر عويط أوغلَ كثيراً في التجرأ على الذات الإلهية، ولكني لن أفصِّلَ في نقدِ رسالتهِ تفصيلاً، ولن أتحدثَ عنها طويلاً، لكونه أعلنَ منذ بدءِ الرسالةِ أنه لم يعد يؤمن. قالَ عويط :
” هل أسخرُ منكَ الآنَ يا الله، لأنكَ العجوزُ الضعيفُ المهزول. هَل أُجَدِّفُ لأَنَّكَ الكَسُولُ النائمُ عَلى مَجدِكَ الْمُتَرَهِّل. هل أبحثُ عن إلهٍ أمينٍ آخر ؛ لأنكَ خائنُ نفسِكَ ومُسَلِّمُ أتباعِكَ في الأرض. هل ألطِمُ وجهَكَ كي تصدِّقَ أني لم أعُد أؤمن؟ “.
ولن أكثرَ من الشواهدِ والأمثلة، فهي معروفةٌ للغالبيةِ العُظمى من أدباءِ هذا الجسدِ الجميل. جسد الثقافة. كذلكَ لنظرتي الخاصة بعدمِ مثالية إيراد مثلَ هذا الكلام، ولو حتى من بابِ الاستشهاد أو النقد، فإن نقده معروف، ويتمثلُ في أولِ خاطرٍ وإحساسٍ بالفظاعةِ يقشعرُ له جسدُ المؤمنِ الخالص.
يا سادةُ. إنَّ العقلَ إرثٌ إنساني. منحه الله لنا كي نتصلَ بعقلهِ اللامحدود عن طريق الإدراك المحدود، فندركُ ما شاءَ لنا كرمه في هبته العظمى للإنسان، هبة العقل. ندركُ بهذهِ الهبة ظواهرَ وجودهِ، وآثارَ عظمته، ولا يكونُ ذلكَ إلا بالتأملِ والتعرفِ الحقيقي على أننا موصولون روحياً بضميرِ الكون، والذي هوَ في الحقيقةِ طيفٌ أو فكرة في عقلِ الله غير المحدود. لذا فلا يُمكن لنا بهذه القدرات، وبهذا العقل المحدود بكياننا المادي البسيط، أن نفهمَ عقلَ الإله، لأن هذا الكون وجميع ما فيه، مجردَ فكرة، أو خاطر في عقله سبحانه وتعالى. والحكمةُ البشريةُ ما هيَ إلا وحيٌ إلهيٌّ لعقلِ الإنسان، وبدونهِ هذا العقل لما كنا أفضلَ من أيِّ فصيلةٍ حيوانيةٍ أخرى.
ونحنُ عندما نُبدعُ الجنونَ نكونُ مجانين باختيارنا. لأننا نجدُ اللذةَ الدنيويةَ في جنوننا، لكن معَ ذلكَ نحنُ لم نمحُ العقلَ أو نتنازلْ عنه.نحنُ نحتفظُ بهِ كإرثٍ بشريٍ نستعمله وقتَ الحاجةِ، نستعمله للحضارةِ، للاختراعِ، لإبداعِ الجنون الجميل الآثم، نستعمله أيضاً للإدراكِ المحدودِ الذي وهبنا الله إياه، للتواصلِ والتخيلِ والتعرفِ والاستمتاع، نستعمله للكتابةِ عن الخلود، وتوقعاتنا بشأنِ الآخرة، وأمنياتنا بموتٍ مناسبٍ مجيد. نستعمله ليوقفنا عندَ الحدِّ المناسبِ عندما يتجاوزُ جنوننا إلى أبعدِ مما نحتملُ أو يحتملهُ وجودنا في الحياة. ندركُ بهِ عبثيةَ التفكيرِ فيما هوَ أبعدُ من قدراتنا، وأنا هنا لا أدعو إلى تهميشِ دورِ العقلِ وأفرضُ الدورَ الذي عليه أن يؤديه، بل أدعو فقط إلى إيقاف العقل عند الحد المناسب فيما يتعلق بالذات الإلهية، لأنه مهما تفكَّرَ أحدٌ بنيةِ الإدراك الكامل لعقل الله أو لِذَاتِه المجيدة، فإنه سيكونُ كفأرٍ يفكرُ باحتواءِ جبلٍ في داخله، وخيرٌ له هذا المسكين لو يستفيدُ بالصعودِ على قمتهِ ليتأملَ المزيدَ من الأفق الرحب، ويتسعُ نطاقُ رؤيتهِ ليشملَ مساحاتٍ أكبر. ثمَّ لا يضيره أن يظلَّ فأراً معَ ذلك.
لأنَّ المعضلةَ في بعض الأحيان لا تكونُ في السخريةِ، أو في محاولة الإهانة، أو في التجرأ، بل المعضلة في أن يجعلَ الإنسانُ نفسه نداً، ويفكرُ بأنه سيكونُ إلهاً آخر. لأنه قد تقعُ منا جميعاً أخطاء في حق الذات الإلهية، وأكثر ما نمارس ذلكَ نحنُ البشر في ارتكاب المعاصي، والعدول عن الإيمان الحقيقي إلى أنواعٍ فرعيةٍ من الإيمان غير المتكامل.
المجاز، هوَ المُدان الأكبر، هو السببُ الذي بحجته تقع الإساءة. إنه الجنون أيضاً، جنونُ الإبداع الذي يتعامل مع المجاز ويتعاطى مع اللغة. إنها خُدعة الأسلوب اللعين، نماذج من سرطان الكلمة.
فلكي تُخبر عن مجموعة من البؤساء، أنهم خالفوا أمر الله، يمكنك – إذا كُنتَ مجنوناً بما يكفي – أن تقول: والله مقتولٌ على بابِ المدينة. الصورة واضحة الرمزية: لقد انتهكوا المحرمات، ولم يُبالوا بشئ، فكأنهم قتلوا ربهم، وعلقوه على باب المدينة كدليل على شيوع الذنب، وتجبر مرتكبيه، واللامبالاة الفاضحة التي يتعاملون بها مع قوانين الله.
هذه هي الرمزية الشعرية المذنبة، والتي بالتأكيد لا يقصدُ بها الشاعر أن يكونَ نداً لله، أو أن يشتم الإله العظيم. لكنها رمزية فادحة، تُكلفُ الكثير، فموضوع القتلِ هنا مثلاً هو الله، وهذا غير مقبول حتى مجازياً، لأنه يتنافى مع عظمة الله وجبروته، ويتنافى مع تخيل عقل الإنسان لخالقه.
لكن، هل يجبُ نفيُ هؤلاء، أو تكفيرهم على الإطلاق؟
في رأيي، لا، بل يمكنُ تصنيفُ هذه النماذج على أنها إساءة فظيعة، وانتهاكٌ صارخ، لكنها بالتأكيد غير مقصودةٍ من أشخاص مثل نزار، أو بدر شاكر السياب، أو محمود درويش، فهم شعراء عُرفوا بإيمانهم وانتماءاتهم أيضاً، وسيرتهم الشخصية معروفة للجميع.
أجدُ أن الدعوة إلى نبذهم وعدم القراءة لهم، وتكفيرهم، وشتيمتهم هو نوع من البؤس الأخلاقي، والتحفظ الديني، وأنا لا أوافق عليه.
بل يُمكنُ مقاومة كل هذا بالإيمان، والدفعِ بالحجةِ، والذودِ عن الله، وبيانِ عظمتهِ ورحمتهِ بهؤلاء، لأنه لم، ولن ينتهي أبداً مثل هذا الإبداع، ولن تنتهي الإساءات، ويبقى الإبداعُ حياً على مرِّ العصور.
فإلى إدرات المواقع المختلفة، وإلى أعضاء المنتديات المفتوحة، وإلى المجلاتِ ومسؤولي النشر والتحرير. ينبغي عدم التساهل مع مثلِ هذه التجاوزات، وأيضاً للقراء ينبغي عدمَ السكوتِ عليها، لأنَ من يسكتُ على مثلِ هذه التجاوزات، وخصوصاً تلكَ التي تمس الله عز وجل، فإنه يُعتبرُ راضياً عنها، ولا يُستبعدُ أن يكونَ محباً لها ومعجباً بها.
إليكم جميعاً، من أولكم إلى آخركم. رجالاً ونساءً، وصغاراً وكباراً. أجملَ تحيةٍ وأرقَّ ابتسامة.
وهمسة في أذنِ أحدِ أصدقائي المُبدعين. أنني لا زلتُ على العهدِ رغمَ ذلك، متمسكاً بالجنونِ لم أتراجع. مستمسكاً بالعروةِ التي تجمع النقيضينِ. لم أمت مدهوساً وأرجحُ أنكَ أيضاً لم تحترق. ولقاؤنا أنتظره ليلاً في زقاقٍ مهجورٍ في فيلمِ رعبٍ فادحٍ. يا صديقي الفادح.


