حديث ليلة عارية: تكوير الوجع

تكويرُ الوجع

ورثتُ عن الراسخينَ عيناً يختبئُ انفعالها خلف نظرةٍ ثلجية، ورثتُ عنهم بعض الكلماتِ التي أخاطبُ بها سريرتي فأثبتُ عند البلاء، وألعن في داخلي كل شئٍ دونَ أن تُنبئ شفاهي عمَّا أقول. لم أدهن جسدي بالزبدِ، ولم أشرب من أي ماءٍ مقدس، ولم يحالفني الحظ لمضاجعة أنثى يفوق شبقُها ماءَ جسدي، لقد توجتني كلماتي أميراً للخراب، وأسلمتني أيامي إلى الهاوية.

هذه ليلةٌ ملعونة. إنها ليلة ميلادي، حيثُ انبعثَ في داخِلي رمادُ الطفولةِ، لكنه لم يتجدد، وأنا لا أستطيعُ الهربَ إلا كتابةً.
ها أنا ذا ليلاً. خلف الشاشةِ وحدي، مُتربصاً. لا أدري ما الذي أفعله بليلٍ ثريٍ كهذا؟

لو كانت لدي تلك الأنثى البعيدة عني، المطلة على نافذةِ محادثاتي، لاقترفتُ الآثامَ كلها، الغضب، والشبق . ما أبدعَ الشبق.

أنا ما امتلكتُ وجودي بعد، لم أشعر بحقيقةِ الوجودِ يوماً، لم أشعر بنشوةِ الحياةِ إلا وأنا أفضُّ بكارةَ ورقةٍ بيضاء، ثم أتأملها منتشياً، أما الواقع، فقد تعثر بالفعل الإباحي الردئِ الذي أرخى سدوله على كل شئ. لقد انزلقت أيامي إلى زمنٍ أقفُ على بوابته عالقاً، دون أن أتمكن يوماً من الرحيل.

الليلُ الذي يفورُ في داخلي الآن، ويختلطُ بدمي صبغَ كل شئٍ برائحةِ شهوة، وليس ثمة رائحة أخرى طاغية غير رائحة الشهوة التي تزكم الأنوف، وتستثيرُ أخيلتي.

***
 

أوه يا صديقتي، هذا ليس حباً كما تتصورين، في الحقيقةِ أنا لا يعنيني الحب، هه، لماذا؟ لأنه لا يتضمنُ أي أنثى تستطيع أن تدبغ جسدي بمائها، ولا حتى أنتِ، فأنتِ خجولةٌ بما يكفي لإفسادِ أكثر خيالاتي احتشاماً.
اصمتي، أعلمُ ما تقولين. الحبُّ شعور أسمى من آثام الجسد. كلا يا صديقتي لقد مضى عهد الفضائلِ التي تعرفينها، وهذا زمنٌ ملعونٌ. خيبةُ الأملِ شعورٌ وطني، والمعاني الشعرية في نشيدِ الوطن تلاشت من القاموس، والأغاني لم تعد تغنيها الحناجر، بل أجهزة المونتاج، وتلك الأدوات التي بإمكان المرء استخدامها في مضاجعة نفسه انتشرت في كل مكان، ويمكن طلبها بالهاتف.

حسناً حسناً، لا تقولي الآن تصبح على خير حمودي، لا تقولي ذلك، إني لأنتظركِ منهوماً، وهذه ليلةُ ميلادي، لو كنتِ هنا، سيُحرق هواء تنفسكِ رئتيَّ، وسأمتصُّ الليلَ كقطعٍ من سكر المكعبات.
آه يا صديقتي، جنونٌ أن يكتبَ المرءُ في ليلةِ ميلاده، أحلمُ الآن بنومةٍ سكرى على رمالِ شاطئك، فلمن أقدمني، ولمن أدفعُ كي يُرسلني إليكِ في شُعاعٍ ضوئي؟


تباً. يبلغُ بيَ الشعورُ عميقاً بأنني مُهْمَل. يتيمُ الحكمة وقدري التمرد. ولدتني أمي عقاباً لي. عائشٌ في كلِ شئٍ ممنوع، نافرٌ من كلِ شئٍ مباح. هل لديكِ تفسيرٌ لحالتي؟

لو تعلمين ياصديقتي، سريري – رغم كلِّ شئٍ – أشهى، و ما بعده أبعد من متناول أوهامك. لا تستطيعُ أنثى أن تجتاز سريري عابرةً منه إليَّ إلا عندما تجتاز عُقدي الشهوانية. هل ستفعلين؟

على أبدِ النارِ والطفولةِ أنام، هل تسمعين بروقَ العصور، هل تسمعينَ آهاتِ أحلامي؟

الآن يمكنني أن أغادر، هيا، قولي لي: تصبح على خير، لأقول لك: بل سأصبح على ما أشاء.

– كُن بخير.

- سأحاول.

صلاة

 

الإلهةُ النائمةُ بجانبي لا تتعرى ليدي عندما أعبثُ بجسدها، بل تنهرتي بصوتٍ نائمٍ لا يكفي لصدِّ غبارِ الشهوة.
يَدُها التي تَصُدُّنِي تَكنِسُ غُباريَ الأرجُوَانِيَّ. وأنا أُصرُّ على مُعاودة الهبوبِ وطَمرِهَا بالغُبَار. أنا رسولُ الترابِ، ورحمةُ الأرضِ لأبنَائِهَا.
جَسدِي يَتلُو قُرآنَ الشَّهوةِ، ورياحي تَحمل بُشرَى الْمَطر.
سلامٌ عليكم أيها الهاجعون في مرقدِ التشهي عَاطلونَ عن الفعلِ الْماتع. سلامٌ لجفافكم الظامئ. سلامٌ لأعضائكم البتولُ وهي تتشظى شبقاً لنُتفةٍ من خطيئة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *