الغريزة الاجتماعية صنعت شركة بقيمة 100 مليار دولار

هل جربت أن تقرأ شيئاً كتبته على صفحتك في فيسبوك قبل سنة من الآن؟ ألا زال يحتفظ بإفادته المعلوماتية، أو عمقه الفكري؟أمر آخر، ألا زال مرحاً على سبيل المثال؟

شبكات التواصل الاجتماعي لا تربطنا ببعضنا فقط، إنما تصنع أيضاً لكل واحدٍ منا أرشيفه الخاص، تقلباته المزاجية، رأيه في أحداث عابرة، مستوى وعيه وعمقه الفكري، اهتماماته المختلفة، صفحاتنا الشخصية على شبكات التواصل تُعد بمثابة تأريخ وتوثيق لأحداث حياتنا، خاصة من تعود على استخدامها منذ نشأتها، لابد وأن لديه أرشيف متكامل الآن، يمكن من خلاله التعرف عليه تماماً.
شبكات التواصل الاجتماعي ومن أهمها فيسبوك هي امتداد تاريخي وتوسعٌ عملاق لتطور المعرفة الإنسانية، وطريقة تبادل المعلومات والتواصل بين البشر. والمعرفةُ إرثٌ إنساني، استفادَ منه من كَتبَ، واستفادَ لاحقاً من يقرأ. والمعرفةُ بدأت منذ علمَ الله آدمَ الأسماء، والأسماء تعني اللغة، أي الأداةُ الأولى للتواصل، أصلُ المعرفة التي سَمحت للإنسانِ أن يتطور ويتواصل، لأنَ التطورَ مَبنيٌ على التفاعل بين مجموعِ الأفراد الذين يتواصلون مع بعضهم البعض، مُنتجين للأفكار، ومُتأثرين بالطبيعةِ من حولهم، وبالمواقف والأحداث.
تخيلوا عالماً بدون لغة، أي أن الأفكار التي تدور في رأسك لن تستطيعَ إيصالها للآخرين. كم هو مُفزعٌ هذا التصور. جرب تحريك لسانك الآن، تفقد حركته، هل يتحرك؟ تأكد أنه يعمل، انطق بعض الكلمات بصوتٍ مسموع، هل تسمعُ صوتك؟ هذه هي اللغة. هل تفهمُ ما تقول؟ هذا هو العقل. هل تُعالجُ الكلمات وتتصورها دون إرادة أو قصد؟؟ هذا هو التفكير. هل تتصورُ مشاهد وتخلق أحداثاً دون أن تسمع كلمات تحرضك على تصورها؟ هذا هو الخيال. هل يُمكنك اختلاق كلماتٍ لوصفِ كل ما سبق؟ هذه هي الكتابة.
والكتابة تصيغ المعرفة
من يُفكر فُينتج، من يَشعرُ فيُبدع،، فإنما نتجَ ذلك عن تفاعله مع كلِّ ما حوله من ظواهر اجتماعية، وتياراتٍ فكرية، وسلوكيات إنسانية عامة. إن وعي الفرد يتشكلُ من الآخرين، ويتأثرُ بهم، ويتصفُ بصفاتهم، لذلك فهو متكامل معهم، ومَدينٌ لهم أيضاً، هذا يعني أنك مدين لأصدقائك في فيسبوك، فلولا وجودهم لما استطعت تكوين معرفتك الخاصة، وأنت مدين لمتابعيك على توتير، فلولاهم لما وجدت من تكتب إليه.
إن الإنسان في عزِّ فرديته وعُزلته، لهو كائنٌ اجتماعيٌ أصيل، على عكس أولئك الذين لم يستطيعوا أن يحققوا فرديتهم الذاتية، فأصبحوا كائنات اجتماعية فقط، لكنهم على المستوى الشخصي، ليسوا أفراداً مُحققين لذواتهم. وكم هو جميل أن أصبح لدينا عوالم اجتماعية رقمية مثل فيسبوك يمكن للأشخاص أن يتحققوا ذاتياً واجتماعياً من خلالها، إنها رفاهية التطور التقني، وعمق فلسفته في الوقت ذاته.
كيف توافد المشتركين من كل أنحاء العالم ليشكلوا مجتمعات ضخمة مثل فيسبوك وتويتر؟ ما هي الغريزة التي دفعتهم إلى ذلك؟
إنها الغريزة الاجتماعية، التي تُعتبر رأس المال الحقيقي لمارك زوكربيرج، إنه يعرف ذلك، ويعترف أن مستخدمي الشبكة هم رأس ماله.
رغبة الاتحادُ والاجتماع صفةٌ كونية، فحتى الكتل الصغيرةُ في الفضاء تنجذبُ لبعضها لتُكَوِّنَ كُتلاً أكبر، وتظلُّ تكبر حتى تستضيفها جاذبيةُ كوكبٍ عملاق، فتصطدم به متناثرةً على سطحهِ شظايا ومعادن وموادَ لا تلبثُ إلا وتصبح جزءً منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *