10 نقاط عن منظومتي الغذاء والدواء سوف تصدمك

انتهيت من قراءة كتاب: الدراسة الصينية تأليف د. تي كولين كامبل وتوماس إم كامبل.

متابعة قراءة 10 نقاط عن منظومتي الغذاء والدواء سوف تصدمك

هدايا عيد الحب بعد الأمومة

ما الذي يُمكن أن تهديه لحبيبتك في عيد الحب بعد أن أصبحتْ أمًا؟
الأمومة تجربة خاصة وصعبة ونقطة تحول في حياة المرأة، لا توجد هدية واحدة تناسب الحدث بشكل كامل، لذا يجب أن تحقق الهدية عدة عناصر من مفاجأة وتنوع وتلبية المتطلبات وإظهار الحب والمشاركة في المسؤوليات، وده اللي طلع معايا وأنا بحضر صندوق الهدايا لهند:

صندوق هدايا:

الأمان ضروري بسبب وجود طفل، أي حاجة تدخل البيت لابد من التفكير في مدى أمانها للطفل، لذا استبعدت الصناديق الخشبية أو المعدن أو المطرزة بالنحاس وهي اختياري المفضل واخترت صندوق من الكرتون المقوى، ضروري يكون الصندوق قابل لإعادة الاستخدام والاحتفاظ به طوال العمر لإبقاء الذكرى حية بشكل ملموس.

عنصر مفاجئ:

لا أحد يأخذ الخضار على محمل الجد، كم مرة أهدى شخص ما بصل حيوي أو عزم عليك صديق بحزمة بقدونس بنفس تلقائية إعطاء موزة أو تفاحة؟ الخضار الحيوي أيضاً غالي جداً ويمثل عطايا قيمة لمن يقدر أكلة خضار جيدة. اخترت مجموعة متنوعة من الخضروات بمناسبة أنني أصبحت نباتياً منذ بداية العام، كان رائعاً تجاور الوردة والبصلة وموبايل بجانب بطاطس وجزر ولمون، وطبعاً لم أنس الكوسة؛ أكلة قاسم المفضلة.

موبايل جديد:

اخترت سامسونج جالكسي A7 ضد الماء بتاع المهمات الخاصة – على ذمة ماجد الكدواني – لأن الأمومة مش سهلة، ولأن الموبايل الجديد بتاع أبريل ٢٠١٦ بقى في حالة يرثى لها من كتر ما وقع واتملا كسور وشروخ سواء بسبب قلة التركيز واللوهجة من هند أو لأن قاسم وقعه أكتر من مرة.

شفاطة الأنف:

دا اختراع سحري، أنبوب طويل مع رأس لتنظيف أنف الطفل علشان يعرف يتنفس وينام كويس، و مفعوله إعجازي لما يكون عنده برد ورشح، طبعا اللي مش أم ولا أب مش متخيلين ازاي نشفط هذه المواد اللزجة من أنف الأطفال، بس اطمنوا الطريقة نظيفة تماماً ولا يصل شئ لأعلى الأنبوب، كمان الأم ممكن تعمل كل حاجة علشان طفلها يرتاح، ودا يقودنا للهدية التالية.

دواء مغص الأطفال دنتينوكس:

هذا الإكسير السحري دواء لمغص البطن والانتفاخات لدى الأطفال، مستورد، وبديله المصري مش قد كده أو مفعوله مش بقوة دنتينوكس، ومؤخراً من ساعة ما بدأت أزمة الاستيراد وسعر الصرف وهو غير متوفر في أغلب الصيدليات ونادر جداً، لذا يُعتبر ثروة ويستحق أن يكون ضمن صندوق هدية عيد الحب لأم، لأن مفيش شعور أفضل بالنسبة لأم أو أب من أن طفلهم يبقى مرتاح وبطنه مش بتوجعه بالذات وهو مبيعرفش يعبر غير بالبكاء، وهو أمر كفيل بإحداث اضطراب نفسي وقهر لأعظم الشخصيات هدوءًا، ولازم يكون طفلك، لو طفل حد تاني مش هتتأثر بنفس الطريقة.

شوكولاته وورد:

لزوم الرومانسية مش أكتر، ضرورة أنثوية حتمية حتى مع الأمهات.

تمر رطب:

هند تحبه مع قهوة عربي.

بيضة كيندر للبنات:

لزوم المعيلة والطفولة.

لعبة:

مناسبة للعب أم مع طفلها لزوم التسلية أثناء تمضية الوقت لوحدهم.

أدوات قَص أظافر الأطفال:

مقص قصافة مبرد، وهكذا لن يجرح قاسم نفسه أثناء النوم بسبب وجع أسنانه التي تنمو.
وهذا كان صندوق هدايا عيد الحب، لحبيبةٍ أصبحت أماً.

 

إنقاص الوزن عن طريق الأكل

بعد صراع كبير مع نفسي لتجاوز أول شهر في النظام النباتي، أحب أن أكتب بعض النصائح والإجابات والتلميحات استجابةً لعدة أسئلة وردتني عن الوزن والنظام الغذائي النباتي.

مبدئياً ألاحظ أن أغلب من يريدون اتباع النظام النباتي يريدون فقط إنقاص وزنهم بطريقة آمنة ومجرّبة ومضمونة النتائج.
لنرى، كي ينقص وزنك بدون رياضة ومن خلال النظام النباتي فقط، عليك أن تحب النمط الصحي في الأكل، لابد من تقدير الـ Lifestyle المرتبط بأكل نباتي متنوع وغني ومفيد، مع منع السكريات نهائياً والاكتفاء بالسكر الطبيعي الموجود في الفاكهة والأكل، ولمن يستطيع منع اللحوم ومنتجات الألبان سيكون الأمر جديراً بالمحاولة.
أيضاً يجب منع أي سُكريات مُركزة، مثل الفواكه المجففة، التمر المجفف، أي شئ يتم تجفيفه يتركز فيه السكر بأضعاف معدله الطبيعي.

عليك أن تفكر في جسدك وأعضائك كممتلكات ثمينة، يجب تقديرها، يأتي هذا التقدير من اختيار غذائك بعناية، وعدم إلقاء الطعام قليل الجودة والمشبع بالدهون والمواد الحافظة والأكل المُصنع إلى داخلك دون حساب، أن تحب نفسك وتشعر أنك تستحق الأفضل لا السائد، إذا فكرت بهذه الطريقة فلن تشعر بأن النظام الغذائي الصحي أو النباتي رفاهية أو أمرٌ مستغرب، وإذا منحت نفسك هذا الحب، فسيقود ذلك في المقام الأول لصحة أفضل، ثم يأتي نقصان الوزن بعد ذلك كأحد النتائج الحتمية لصحة الجسم وتحسين الجهاز الهضمي وعملية الأيض أو الاستقلاب Metabolism ، لأن تحسن هذه الوظيفة هو ما يُساعد على حرق السعرات الحرارية بشكل أفضل، تخيل جسدك عبارة عن فرن، وعملية الأيض هي الاشتعال الذي يحرق أي سعرات تدخل إليه، إذا أردت حرق المزيد فعليك تحسين القدرة على الحرق، وبالتأكيد اختيار الوقود المناسب.

لكن إذا تم اعتبار النظام الغذائي الصحي أو النباتي مجرد حمية مؤقتة أو طريقة لإنقاص الوزن فقط، وفور تحقق الهدف يعود الإنسان لسابق عهده، فإنك لا تساعد نفسك كثيراً.
الغذاء الصحي للبعض ليس اختياراً، بل احتياج ضروري وبدونه فإن صحتهم آخذة في التدهور، وكل إنسان أدرى بنفسه.
لأجسامكم حق عليكم، فهي الوعاء الذي يحتوي أرواحكم، وهي الآلة التي تنقلكم إلى مصائركم وتحقق غاياتكم، حرفياً، لولا العمليات البيولوجية والحيوية والكيميائية في المخ، لما شعرت بالطموح والأمل والعزم والإصرار، لذلك العقل السليم في الجسم السليم.
وإن كان من فائدة قصوى يمكنني التأكيد عليها بعد التزامي بالنظام النباتي بالكامل لقرابة شهر، فهي أنني في حالة نفسية وعقلية أفضل، وكفوائد جانبية فإنني نسيت تماماً ماذا تعني الحموضة، وشعور الإمساك أو الإسهال أو الانتفاخ، كل مشاكل الهضم اختفت.
وبالطبع نقص وزني كثيراً.
أمرٌ آخر مهم، كثير من النباتيين المبتدئين لاحظتُ أنهم متطرفون، وفيهم قسوة غير مبررة على الآخرين. ليس معنى أنك اقتنعت بأضرار اللحوم ومنعت نفسك عنها أن الآخرين سفاحون ومتوحشون وجهلة لا يعرفون مصلحتهم.
رجاءً لا تكونوا متطرفين تجاه أنفسكم والآخرين. التطرّف في أي شئ يؤدي إلى تخريبه وفقدان المعنى.
الدهون ممنوعة في النظام، صحيح، لكن وضع القليل من زيت الزيتون على السلطة أو لتشويح بصل، لن يكون نهاية العالم ولن يفسد صحتك، إذا كنت ملتزم بنسبة ٩٠٪‏ فهو أفضل بكثير مما كنت عليه سابقاً، ومعلقة زيت الزيتون ليست مصدر قلق من السمنة أو البدانة أو أمراض القلب.

لست نباتياً بعد؟ لا مشكلة، أن تأكل اللحم مرتين فقط أفضل من ثلاث مرات، أن تزيد نسبة الخضروات إلى جانب أكلة دسمة، لن يقضي على مضار اللحوم، لكنه سيزيد من استفادة جسمك بالغذاء.
الأشخاص غير النباتيين الذين لم يلتزموا بالنظام، لكن يودون لو يلتزموا بنظام صحي، ارحموا أنفسكم أولاً من الوجبات السريعة وأكل الشارع، ابدأوا على الأقل بالطبخ لأنفسكم.
وتدريجياً يمكن استبدال العناصر الأكثر خطورة بأقل منها في مستوى الخطورة، فمثلاً الأشخاص المعتادين على الزيوت المهدرجة والسمن والزبدة الحيواني، المدمنين للمقليات وأكل ماك وكنتاكي والحلويات الشرقية بالسمن، ستكون ملعقة زيت زيتون أو زيت جوز هند أشبه بقبلة الحياة مقارنة بكمية ونوعية الدهون الأخرى.

حتى في الأشياء الضارة، يُمكنك دائماً اختيار الأقل ضرراً.

وهكذا تدريجياً حتى نتعود على النمط الصحي البسيط الخالي من تعقيدات اللحوم والدهون والسعرات الرديئة وآثارها الضارة.

دامت لكم الصحة والعافية، لكن عليكم أن تختاروا ذلك أولاً.

ما الذي حدث بعد أن أصبحتُ نباتياً بالكامل؟

بعد يومين سأكملُ شهراً كاملاً من الالتزام بنظام الغذاء النباتي الكامل، ولأول مرة تحدثني نفسي اليوم بالتراجع والاستمتاع بقطعة ستيك متوسطة النضج، أو ربما طلب تشيكن مافن وبيض بالجبن للإفطار من ماك بدلاً من طبق الحبوب الكاملة بالفواكه والمكسرات.

اشتهاء غير مسبوق منذ بدأت ولا أعرف سببه، ربما يكون مللاً أو تغيرات في جسمي وأعراض انسحاب لتوديع هذه النوعية من الأغذية للأبد، ربما يُطلق دماغي الاستغاثة الأخيرة، لا أعرف بالضبط سبب هذا التوق للتراجع، لذا فكرت بأن أفضل طريقة لمقاومة الإغراء هي الخروج بالصراع الداخلي للخارج، والكتابة عما حدث لي من تغيرات حتى الآن، ربما بالكتابة وبتلقي التشجيع أو الاعتراض أو حتى الأسئلة، يتسنى لي تقوية عزيمتي على الاستمرار، فالأمر ليس سهلاً مع كل هذه المُغريات المُحيطة، فأنا تقريباً أقاوم السائد في كل مكان، مع الأسرة وفي المطاعم والإعلانات وفي الأفلام، كل ما حولي يخبرني بأنني غريب على المنظومة، وحيد، ليس لدي فرص للاستمتاع بالطعام سوى مع نفسي، لكن لنرى النتائج التي أشعر بها.

– أصبحتُ بالفعل سعيداً بطعامي، أتوق إليه وأتشهاه، وأستمتع به، والأهم وهو غير متوقع من شخص في مثل انشغالي، أصبحتُ أطبخ، أغلب الأوقات أعد طعامي بنفسي لأكون متأكداً من عدم استخدام أي شئ ممنوع، وأصبح الطبخ لدي طقساً يومياً أقوم به مهما كنت منشغلاً، واكتسبت خبرة هائلة حتى أن المقربين أصبحوا يعرفونني بعدة وصفات نباتية أطبخها ويشاركونني في الاستمتاع بها، نسيتُ أن أخبركم، لقد قمتُ حتى بالخبز بنفسي، وكانت أول مرة أخبزُ في حياتي.
– أشعر بصحةٍ أفضل، أعصابٍ أقوى، وجسم أخف.
– لم أذهب يوماً للنوم ممتلئ البطن أو أشعر بثقل أكلة دسمة، الأكل النباتي عموماً خفيف ولا يُشعرك بأنك ثقيل، وعندما أنام أستغرق في النوم بسرعة، وعندما أصحو أشعر بأني ارتحت حقاً، وليس كالسابق كنت أحياناً أنام وأصحو مُتعباً من النوم.
– التركيز التركيز التركيز، سابقاً كنت أفقد تركيزي ربما بعد نصف ساعة وذلك في حالة لم تكن هناك أي مُلهيات مُحيطة، الآن بوسعي التركيز على قراءة أو كتابة أو حتى متابعة فيديو تعليمي يُعتبر جاداً لفترات أطول لم أكن أتوقع أن بإمكاني الصبر عليها، الأمر ليس دائماً ولكن مُجرد تحقيق ذلك مرة أو مرتين يجعلك واعياً أكثر بما تقدر على فعله.
– طعم الريق يتغير، رائحة العرق، رائحة الجسد بشكل عام، تتغير وتصبح أفضل.
– نقصان كبير في الوزن وتقلص لدهون البطن بشكل ملحوظ، دون ممارسة أي رياضة.
– على الرغم من أنني شخص هادئ وغير عصبي، إلا أنني أصبحتُ أكثر هدوءً.
– وأخيراً، مشاكل الحموضة الدائمة، والإمساك أحياناً، أو الإسهال، ببساطة كل مشاكل الهضم المعتادة اختفت تماماً لدرجة أني نسيتها، وعلبة أقراص ريني المضادة للحموضة تقبعُ أمامي على المكتب يعلوها الآن بعض الغبار دون أن تنقص شيئاً منذ آخر استخدام قبل شهر.

هذه التغييرات التي شهدتها حتى الآن، وربما أكتب أي تغييرات ألاحظها مستقبلاً، ولكني أطلب منكم الدعم والتشجيع، وأحثكم أيضاً على خوض مثل هذه التجربة ولو لفترة مؤقتة لاختبار النتائج ثم التقرير.

حكاية قاتل – تشارلز مونتالدو – ترجمة: محمد الشموتي

حكاية قاتل

تأليف: تشارلز مونتالدو
ترجمة: محمد الشموتي

سيعودُ إلى زنزانته حتماً. سَينغلِقُ البابُ بشدةٍ وتكتسحُ الظلمةُ قفصَهُ الصغير، وسيتمدَّدُ في مُحاولةٍ للاسترخاءِ، وفي محاولةٍ يائسة، سيدفعُ عنه السؤال الذي يُلحُّ عليه: كيفَ سيقضي بقية حياته في هذا المكان؟
في البدايةِ سيكونُ شرساً في التمرد، لكن مع الوقت سيصيبه اليأس والاستسلام، هذا الزمن الفاجر سيعاقبه أيضاً ليصبح كحيوانٍ بريٍ فقدَ غريزته.
سيحاول الحفاظ على شراهة الانتقام، سيملأ رأسه بالحقد – حقدٌ على محاميه، وحقدٌ على القاضي، وحقدٌ على الكاهنِ الذي يزوره يومياً، وحقدٌ على عائلاتِ ضحاياه، وحقدٌ لامُتناهٍ على الضحايا.
يُخفي وجهه حتى لا ينظرَ إليه أحدٌ ويرى كم هوَ مُشوَّهٌ. حتى لا يرتعبَ أحدٌ من صمتِهِ الرهيب كما يفعل أعداؤه. أسنانه مثبتةٌ إلى بعضها البعض في تداخلٍ شنيع. فمه يُطلقُ سُمَّاً يُهاجمُ كل من يقتربُ أو ينظر.

تضاءل الصداع الفتاك عندما انخفضت وتيرةُ تفكيره وبدأ الاحتشاد في عقلهِ بالتفرق. اكتنفه هدوءٌ قاتلٌ بينما يدفعُ أعداءَه إلى صندوقٍ في داخله، يحشرهم فيه بقسوة. إنه نفس الصندوق الذي يأسرُ فيه أرواحَ ضحاياه وصرخاتهم إلى الأبد.
يحاولُ تحديدَ حالته وتنسيق مظهره الخارجي وفقاً لمستقبله الذي ينوي أن يسكنه.

يقول لنفسه: ” يمكن أن أجعلَ أي شئ يحدث! لو لم أسمح لهم لما اقتادوني إلى هنا، ولكنت الآنَ حُرَّاً طليقاً في الخارج. لكنني عبقري. أنا أذكى من كِبار المحققين في هذه البلاد”.

يحاولُ الآنَ تأمينَ طريقةٍ للنجاة. سيجعلُ من نفسهِ محلَّ ثقةٍ لسجَّانه، سيصنعُ لنفسهِ مكانةً أعلى من بقيةِ النزلاء، ومع مرور الوقتِ سيصبحُ مؤتمناً بطريقةٍ ما، وسيظهرُ مقدرته على الإدلاء بكل المعلومات الحقيقية والمختلقة عن بقيةِ السجناء. سيعملُ لحسابِ السَّجان لا لحسابِ المسجونين.

يمكنُهُ أيضاً أن يُظهر مدى براعته في القيادة والتأثير، سيتكلمُ بإنجليزيةٍ واثقة وخلابة ليختاروه واعظاً للسجناء يوم الأحد. وسيظهر كم هوَ حكيمٌ وذكي. قلبه ينبضُ خارجَ حدودِ المكان، بينما عقله يتسابقُ للحاقِ به خارجاً. لم يُفوت أيَّ إمكانياتٍ أو احتمالاتٍ إلا وضعها أمامه.

يتخيلُ طوابيرَ العلماء النفسانيين الذين سيتسابقون لمقابلتهِ كمختلٍ عادَ لطبيعته. سوفَ يُبهرهم بفهمه العميق للسلوكيات النفسية، والذهنية. سيتسابق الكتاب والصحفيونَ لمقابلته وتسجيل قصته من أجل نشرها. تُرى أيُّ فيلمٍ سينمائي سيحملُ عنوان قصته؟ وأيُّ ممثلٍ يبدو عليه الذكاء والنقاء ذلك الذي سيلعبُ دوره في ذلك الفيلم؟

الآنَ يوقن أن لديه مستقبلٌ ينتظره. سيكونُ منشغلاً جداً فيما يُدركه من وقت. يمكنه أن يسترخي. تعبرُ ابتسامةٌ وجهه، وخياله يصلُ إلى تلك المقصورةِ التي سيخنق فيها إحدى ضحاياه.

لا شئَ يُطوق ذاكرته الآن، ها هوَ يعودُ خلالَ الأحداث إلى تلك اللحظات، عندما كانت له السيطرة الكاملة على حياةِ ضحاياه. يتذكرُ أن بُكاءَهم جعله مُتردداً بشكلٍ ما، لكنه يرفض الاعتراف بذلك. ما زال صندوقه السري يحتفظُ بصورِ كثيرةٍ للهيئةِ التي كانوا عليها، إنه متأكدٌ من عدمِ حاجته إليه، فهو لن ينسى أبداً كيفَ كانوا يبدون، رغم أن المشاهدَ الآن أصبحت تتعصَّى عليه حين يستدعيها من مخيلته، تنكسر كلعبةِ البازل، إنه لا يستطيع التذكر بوضوح، لكنه يُبرر ذلك بأنه ربما يكون مُتعباً.

يحاولُ استعادةَ الشعور بالارتياح عندما كان ينظر إلى ضحاياه، ذلك الذي كان يستقبله عبرَ نظراتِ التوسلِ والرجاء. يتأبى عليه كلُّ شئ. ثمةَ انقطاع في التواصل ما بين حواسِّه وذاكرته. يحاولُ أن يُكرِّر مشهدَ القتلِ ثانيةً في مَشهدٍ تخيليٍ ليحصلَ على الإثارةِ المنشودة، يستحضرُ الضحايا مربوطينَ عاجزين. يُحاول أن يدفع ذلك المشهد إلى التحركِ في داخله، لكنه لا يتحرك.

يبدأُ وجهه في الاحمِرَار. يشعرُ بحرارةٍ تخرج من جسدهِ لتُلهبَ عقله. تحترقُ الصور المخزنة بالداخل. يكتسحه شعورٌ مُزعج. سيعتقدُ البعضُ أنه الندم، لكنهم خاطئون.

نعم، إنها عاطفة مثل تلك التي تنتاب أغلبنا ثم تذهب بعيداً. لكن بالنسبةِ لشخصٍ مثله، فإن العاطفة تكمن كشرارةٍ في لُبِّ وجوده. هذا الحيوان الذي طاردَ العوائلَ، والأطفال، والنساء. والذي يشعرُ بالانتصارِ الداخلي عن طريقِ تجنيدِ الخوف المبثوثِ في النفوسِ الآمنة. لا يستطيعُ أن يهرب من إحساسه المقيت بكراهية الجميع له. يشعرُ بالخجلِ الفادح لأن قناعَهُ سقط، وعرفَ الناسُ مقدارَ ما هوَ عليه من سفالةٍ ومقت.

وبينما وجهه يحمرُّ مُحترقاً من الحرارة، يتجلى له وميضُ الحقيقة. هؤلاء الذينَ ضحكوا وراءَ ظهره يعلمونَ كم هوَ ضعيفٌ ومُنهك، لا أحد يخاف منه، يرونه مكسواً بملابسِ المهرجين، وبأوجه البغايا التي يخفون بها شخصياتهم الحقيقية. هؤلاء الذينَ احترموه لأجل مظهره الجيد، وحسن السمت، لن يفعلوا بعد الآن. لقد اجتاحته الفضيحة.
ستتلاشى كل جهوده من أجل أن يكون رجلَ سُلطة. وكل أولئكَ الذين دعموه سيهزُّون رؤوسهم أسفاً وحسرةً كما لو أنهم عرفوا دوماً كم كان خاسراً وحقيراً. إنه يُدرك أنه لن يتمتع بصداقةِ حُرَّاس السجن ولا واعظي يوم الأحد، إنهم لن يحترموه على الأغلب. هذه الحقيقة واضحة الآن.

***

تتثاقلُ خطاه من الإنهاك، وهوَ يجرُّ أقدامه من مكانٍ لآخر. ليسَ له مكان للنوم، لذلكَ يستغلُّ استيقاظَ أحدهم ليستلقي في مكانه كالجيفة. يرى نفسه يتحركُ وحيداً على طولِ الساحةِ الخارجية. يشعرُ بالعزلةِ، وبغرابةِ البيئةِ المحيطة. يشعرُ بالخوفِ كما لم يشعر به من قبل. إنه ليسَ مُستعداً للموت، لكن هذا لن يوقفَ النصلَ المتجهَ إلى صدِّره، إلى ظهره، إلى خدّه.
تقيأ دماً وهو يزدادُ ضعفاً، سقطَ على الأرضِ من شدةِ التعب، سُمعَ لُهاثه على الرغمِ من رقبته المتدلية. عرفَ أنه يحتضر فأغلقَ عينيه كما لو كانَ ذلك سيحميه من دخول الجحيم.
كانَ صوتُ قهقهةِ طاعنيهِ يُدوي في أذنه. هذا هوَ الصوت الوحيد الذي كرهه في حياته، صوتُ القهقهة، لطالما أحبَّ أصواتَ الأنين، والرجاء، لكنه الآنَ لا يجدُ غير صوت الضحك ليكون آخر صوتٍ يسمعه قبل أن يتلاشى وعيُه تماماً.

عندما استيقظ، وجدَ نفسه وحيداً في غرفةٍ نظيفة بيضاء، أجهزة تحيطُ به من كل جانب وتضمن بقاءه حياً، كانت عيناهُ مفتوحتانِ على اتساعهما ومع ذلك يشعر بالسواد، ولم يفلح حتى هذا الضوء الخافت المسالم الذي يتسربُ إليه في لحظاتِ ما قبل الفجر.
يشعرُ برطوبة الدموع في عينيه. لم تكن دموع ضحاياه، ولا دموع الندم على أيِّ شئ. إنها فقط دموعه.

في كلِّ ليلةٍ سوفَ تطرقُ الحقيقةُ بابَ عقله. تستبدلُ أوهامه المضللة بالواقع. لا أحدَ يُفكرُ فيه، ولا أحدَ يهتمُّ بشأنه. استحضرَ ضحاياه، توحَّدَ معَ قلوبِ أحبائهم، والتمسَ المشهدَ من ذاكرته. يعرفُ الآن أنه في ذمِّةِ الله، وليسَ في وسعِ قدرتهم نيله.
لقد انتهى بؤسهم بسجنه هنا، وفي ذات المكان، ابتدأ بؤسه هوَ…!

ـــــــــــــــــــــ

عَن المؤلف:
– تشارلز مونتالدو هو محقق خاص، يعملُ في مختلف مجالات التحقيق الإجرامي، وبخاصة في الحقل الجنائي. يمتلك شركة خاصة للتأمين، ويؤلفُ قَصَصَاً قَصيرةً يستوحيها من قضايا التحقيق التي يتولاها، وله عدة كتابات منشورة عن الجريمة.
عن المُترجم:
– محمد الشموتي، شاعر ومترجم وممثل صوتي، يعمل في مجال الكتابة الحرة والتسجيلات الصوتية الاحترافية وإدارة المحتوى. للمزيد

إلى صديقي الغبار النجمي

صديقي الغبار النجمي
أعلم أنك تنظر لي من علٍ،
أسمعُ صوتكَ الهامس
يا غبار النجوم البعيدة،
يا أخي المتناثر الذي انفصلتُ عنه منذ البدء
أشعر بالغربة كلما فكرتُ فيك،
ترى هل تشعر مثلي بالغربة أيضاً؟.
لا تخف ياغباري
لا تخف،
لستَ وحدكَ من يفكر بعظمةِ وحدته اللامتناهية.
يوما ما سألحق بك
بعيداً بعيداً وألتحم بك،
نضيع سوياً في دوامة واحدة.
ننفجر هباءً،
وتجمعنا قبضة إلهٍ جبار،
بيده يشكل الكون كالصلصال
لنتنفسَ أيها الغبارُ ذاتنا
على هيئة كوكبٍ عملاقٍ جديد
سيتجمعُ يوماً ما، مني، ومنك
ومن كل ذرات الغبار الصديقة
يا غباري النجمي البعيد
هل أقول اشتقتُ إليك؟
لا تخف ياغباري النجمي البعيد.
لا تخف
أنا قادم.

ما الذي يعنيه أن تحب؟

ما الذي يعنيه أن تحب؟

أن تتواصل دون كراهية، دون عقدٍ نفسيةٍ من الطفولة لم تقدر على تجاوزها حتى الآن، دون غيرة، دون الرغبة في التدخل والتحكم فيما يفعله أو يفكر به الطرف الآخر؟ هل تعرف ماذا يعني ذلك؟
إن كنت لا تعرف، فهذا يسمى الحب.
أما ما يقوم به غالبية الناس من تحكمات، وغيرة، واستحواذ وتملك، وادعاءات الأخلاق ومعرفة المصلحة وحب السيطرة، فهذه مجموعة أمراض نفسية لها تشخيصها الطبي في علم النفس، ولكثرة شيوعها فإنها تحظى بقبول واسع بوصفها الممارسات الطبيعية.
أن تحب، يعني أن تتحرر من كل قيدٍ وتستمتع بحريةٍ لا نهائية كسريان النور في فضاء، لا أن تجعل الحب ذاته قيداً لك أو للطرف الآخر. أما إذا كنت تفرض على الطرف الآخر قيوداً ترفضها لنفسك، فأنت لست مريضاً، أنت حينها مجرد وغد منافق.

الأبدية في الحب، تعني استمرار اللحظة إلى الأبد، لأن فعل الشئ ذاته مراراً وتكراراً لن يعود ممتعاً بعد عدة مرات. القيود قد تكون متعة في لحظة اندماج كامل فنظن بأننا يجب أن نبقى هكذا، لكن توحد الأرض مع لحظةِ ربيعٍ وبقائها باستمرار سيجعل من الربيع أمراً بغيضاً.

أيضاً فكرة الكيان الواحد أراها مستحيلة إلا في المجاز والشعر، لأن التملك فكرة مُهينة إلا إذا كنا أطفالاً وكلٌ يتملك لعبته ويبكي إذا أخذها منه أحد، حب الطفل لأمه لا يمنعها من إنجاب آخرين ورفقة رجال تحبهم، حب الأم لولدها لا يجب أن يبقيه لديها أسيراً، لا أفهم لماذا يجب أن يكون حب الرجل والمرأة على عكس ذلك؟

حديثي هذا يمكن اعتباره خلاصات عشتها وجربتها وقرأت عنها كثيراً، ولا يصلحُ لكلِّ أحدٍ بالضرورة، لكن هذه الوصفة المختصرة المتعلقة بالحب والعلاقات لما أحبُّ أن أسميه: حياة سعيدة.

استمعوا إلى جبران خليل جبران وهو يتحدث عن الحب، في كتابه النبي:

اللوحة: Twin Soul By Iraqi artist Sattar Kawoosh

ألا يكفيك؟

ألا يكفيك؟
السنواتُ التي تنالُ منك،
وتُعطيكَ أزمنةً،
هذا الزمنُ الذي يُغضِّنُ وجهكَ،
ويُعطيكَ بهاءً،
طبيبةُ الأسنان الحسناء التي تفسدُ ضرسكَ
مقابل أنفاسها المُثيرة من خلف كمامتها،
ومتعة النظرِ إلى عينيها عن قُرب،
ألا يكفيك؟

الحبُّ الذي يصفعكَ، يصرخُ فيكَ بعصبيةٍ،
يُقبلكَ قبلةً للوداع،
ويَمنحكَ ابنةً،
ألا تكفيك؟

الحبُّ الذي يقتلك ويفعلُ ذلك بلطفٍ،
يرسمُ على شفتيك ابتسامةً راضية،
ألا يكفيك؟

هذه المرأة التي تأكلُ قلبكَ وتمضغه بآهتين،
تمنحكَ نبضها بإيقاعٍ سريع،
تعطيكَ دمها بسكرٍ قليلٍ،
تمنحكَ رائحتَها، قطاً يُعلمك الموت،
عدةَ وصفاتٍ لشاورما الدجاج،
تشتري لك ورداً في جريدة،
تعطيك ما يستعصي على الذبول.
هذه المجنونة المنكوشةُ،
بلطجيةُ الأحلامِ، وشمسُ الغياب،
ألا يكفيك عسلها الخليع؟

هذا الحبُّ الذي أفسدَ قلبكَ ومنحكَ
قدرةً على التحمل و التألم،
ألا يكفيك؟

هذا الحبُّ الذي تراوغه لعدمِ صلاحية قلبك،
المرأة التي تشتري منكَ ألمكَ بقبلاتٍ وحب،
المرأة التي تربتُ على كلامكَ وتمنحك إصغاءً،
الحبُّ الذي سلب منك الجغرافيا،
ومنحكَ حميمية تصنعُ بها تاريخاً،
ألا يكفيك؟

هؤلاء الأصدقاء الذين يحملون نعشك،
يُعطونك حُرَّية الحياة، الاطمئنانَ على وجودك،
ألا يكفيك؟

ديسمبرُ الذي كلَّما أتى لينتقصَ من وحدتك،
ويُعطيكَ أملاً بطعم الشيكولاتة،
ألا يكفيك أيها الجاحد؟
ألا يكفيك؟

مفاوضات

– تقبلي 4 عقد نفسية مني وأقبل منك 5 وننام مع بعض؟
– لأ هقبل تلاتة بس وميكونش فيهم خوفك المزمن من الالتزام.
– لأ دي المفضلة عندي، طب اقبلي مني الخوف من الالتزام وأقبل منك كل مشاكل عدم التحقق الذاتي.
– والغيرة؟
– لأ، لو هقبل الغيرة يبقى لازم تقبلي الخوف من الالتزام.
– كده الموضوع مش هيكمل، أنت مش هتعرف تلتزم تجاهي علشان أغير عليك !
– مممم طيب ممكن ناخد الخوف والغيرة نخليهم عقدة إيجابية مشتركة، هنخاف مع بعض من الالتزام الذي يُفضي للملل، ونغير على علاقتنا الوليدة من قدرتنا على إفسادها.
– ونعمل إيه مع عقدة الشعور بالذنب اللي هيضربني بعد ما أنام معاك؟
– هنعالجها بعقدة إنكار الذات اللي عندي وهعمل لك شوية تفاني وإخلاص.
– تفتكر ممكن ننجح؟
– ممكن نجرب.
– أنا جاية.
– مستنيكِ.

دموع – لسامي سعد

أنت تعرفين كم أكره الهاتف
هذه بداية جيدة
تذكري الآن عشرون عاماً كي تذكريني
أنا أنسى التفاصيل
أنا أنسى التواريخ
أنا المجبول على الدق كالمطرقة الحجرية
أنا الذي خلقني الله بلا دموع كافية
وبأعصاب أكثر مما ينبغي
البارد، المتغطرس، اللاهي، أنا
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتصبب رعباً، لا
أنت تعرفين
أنا لم أحب بشراً بما فيه الكفاية
أنا المتوحش، القاسي، الملول
أنا حفار القبور، راعي الأحزان
عاشق الموتى، وجمل الهموم الثقيلة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي تنسحق روحي، لا
أنت تعرفين
لا سماء، ولا أرض، ولا خليقة
قادرة على أن تأويني، لا
منذ عشرون عاماً أعرف دون خجل
لتقوم القيامة، ليحترق الكون
فقط كوني قريبة، فقط أعرف أنكِ ها هنا
ها هنا تعني أن لا تكوني في مكان آخر
مكان آخر لا يبعد أكثر من نظرة عين
أسمح بالغضب، بالخصام، بالانفجار
قولي أي شيء، وأفعلي ما تريدين
فقط كوني قريبة، كوني ها هنا
أنا الجاحد، الصلد، النائي
أنا العابس، المتقلب، الأناني، أنا
أنا الذي لا يعرف أين مفتاح البيت
وفرشة الأسنان، وباب الحياة؟
يا طلقة الروح الأخيرة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتفتت، لا
أنا الفاشل في الهديل، والغناء الطري
أنا الحاد، المشاكس، العنيد، أنا
أتضور، أتحرق، أظمأ، أعرى، وأضل
أنا لا أشكو إليكِ
أنت الهيابة، الخائفة، المرتعدة، أنتِ
لماذا تمدين يدكِ للوهم القاسي، كيف؟
لماذا تغادرين حقلك الزاهر، تذبلين؟
لماذا ترقدين، تتألمين، لماذا لا تنظرين إلينا؟
فقط أنت تعرفين، حين تهب الرياح القوية
حين تغدو السبل مهالك، والخطوة شوك
فقط أفعلي كما كنتِ تفعلين على الدوام
اغمضي عينيكِ، وتشبثي بمحراث الأرض الخالد
أحوطكِ بدم القلب، وماء العين
أرفعك عالياً فوق هامة كل موج
أطير بكِ الأقاصي، وأجالد من دونكِ حتى
حجر الكون المسنون
فقط دعيني أحاول مرة آخرى
حاولي معي، مرة آخرى، وآخرى، وآخرى
نجحنا من قبل كثيراً، نستطيع أن نفعل ما فعلناه معا على الدوام
فقط قومي على قدميكِ، واصلي المسير، تعالي
أنت تعرفين
من مكابدة الألم نقوى، نحلو أكثر، ونعلو
أنا الذي يتجول في انحاؤك، وابرة المحلول في وريدي
أنا الذي يصف لك أبهاء الجنة من دهاليز الغياب
أنا المجنون، والقابض على جمر خطوة إلى الأمام
أنتِ تعرفين، ماذا تعني الحياة دون حب؟
ماذا يعني الحب؟
ماذا يعني الوجود؟
ماذا يعني أي شيء في الأرض، وفي السماء؟
أنا الذي لا يعرف شيئاً دون أن يمر بين يديكِ أولاً
حلمت كثيراً، ونسيت أشياء أكثر
نسيت أيتها الحلوة المكتملة في الضعف
أيتها العاتية في هدوء، وصبر، واستكانة
ربحت كثيراً، وخسرت كثيراً، هذا لا يؤلم
أنت تعرفين
أنا الذي لا يطيق وخزة ألم لمن يحب
أنا الباذل دمي لقاء بسمة على شفاه قريبه
أنا الذي أمضى عشرون عاماً في مؤسسة الخراب
لم أتناول افطاري معكِ، كم سنة؟
لم أقل لكِ مرة، كم أحبكِ؟
لماذا؟
بيد أني لا أحبكِ، وحسب
أنت تعرفين
كم صمتي مدجج باللغة المستحيلة
هكذا دون أن ندري متى، وكيف
هكذا ببطء، وهدوء، وكثير من الحظ
صرنا الكتلة التي لا تقبل التجزئة
أنت تعرفين
كيف أقف على قدمي، ألا أشعر بالخجل؟
كيف أستحم دون أن تكوني على الباب القريب؟
أو يأتي صوتكِ كي أرشف الصابون عن عمد؟
كيف أستيقظ دون هزات يدكِ؟
كيف أأكل؟ كيف أتجول في الشارع؟
لا شيء أعرفه بالضبط
أنا مختل، وضائع، وصغير
أنا تائه، ووحيد، وحزين
أنا شريد، بلا صدر، ولا سند
كم هذا العالم بائس، وفقير
كم هو غبي، وضيق، وبلا فائدة
مازلت أتبسم، قوياً، وقادراً، لا
هذه الأقنعة، المراسيم، الوجوه، اللغة، القشرة
أنت تعرفين
خلف كل هذا
جريح يتوق إلى كلمة لا تخرج إلا منك
يا بابي الوحيد، ونافذتي الوحيدة
يا أبي، وأمي، وأطفالي
يا قصيدتي، ووسادتي، وجرعة مائي
يا نزوتي الأبدية، وقصتي الفريدة
يا زهرتي، يا جمرتي، يا سلوتي، يا أنا
يا كل الضائع مني، والموجود بعينيكِ
يا كل الأحباب، وكل الغياب، يا أنا
يا نشواتي النادرة، ولحظاتي التي لا تمحى
إن كل نقطة دم تعرف تاريخها
مبتداها، ومسراها، وحتى إكتمال العنفوان
أنت قلت لي
أعرف عدد شعر رأسك
أعرف دقات قلبك
أعرف لون عينيك، حرارة دمك
ملوحة دمعك، تاريخ أسفارك، موتك
أنت التي تعرفين ما لا أعرف، كيف لا تعرفين؟
كم أتألم، كم أتالم
من أجل لا أحد سواي، اعتدلي
من أجل مملكة لا يؤسسها إلا إتكائي عليك
هكذا ببساطة
هذا الجبل الراسخ، واالملكوت المكتمل الأركان
قائم على زوايا فمك البني
قائم على ذيل ثوبك الطاهر
قائم على ارتكاز حصاتك النقية
قائم على ايماءة كفك
قائم، قائم، قائم لأنك قائمة وحسب
أيتها الصمدية التي عليها نرتكز، أه
لأجلي مرة آخرى، قفي على قدميك
لأجلي، تعالي، تكلمي، ابتسمي، اصرخي
خاصمي، اشيحي بوجهك لحظة في غضب
ثم عودي إلينا، دائماً أنت تعودين
دائماً، دائماً، دائماً
نحن الغرباء، الوحيدين
وأنت وطننا البر الرحيم
ومن يريد أن يعرف؟
دخان هذا الوجود، وكل ما في الوجود دخان
خمس سجائر على الريق، وخمسون حتى منتصف الليل
غبار في الطرقات، والناس غبار، والكلمات
ومن يريد أن يعرف؟
دخان على العين، وفي القلب دخان، وفي الجهات
وفي رغيف الدخان اشتهاء للبكاء
في اليقين الحزين، والظنون المسننة الحواف
في تشرد الدم الغريب، في الصحو، وفي المنام
في التفاف الدخان على زوبعة لا تتشكل
ومن يريد أن يعرف؟ لا شيء في خط اللهب يقيم
وحدي أرتكز على دخان يّصاعد من روحي
وحدي ألتفت إلى قبلة وجهك، وأناديك
يا أنت، يا أنت، يا الله
أيتها الراضية، المستكينة، لا بأس
لا بأس! أحقا لا بأس؟ أأهذي أنا؟
ربما في الحقيقة لا أريد، لا أريد، لا أريد
أعرف كيف أجدول مربعات الأرباح، والخسائر
أعرف أنني لم أخسر إلا ما يستحق الخسران
أنا الذي يجادل باللفظ كي لا أموت في الحقيقة
أنا الذي يتستر خلف المرايا، الإيحاء، البروق
أعرف أنني ربما، وربما، أي شيء ربما
لكنني لم أعرف قط، لن أعرف قط
أنني الذي يسير في ظلك
أنني أضل بعيداً عن قبضة يدك
أنني متعب، وجائع، ومتسخ
أنني عاطفي، وهش ، وأحمق
أنني كل النقائض مجتمعة، وأنني لا شيء
فقط ألعب في بهو دارك، أٌقذف العالم بالحجارة
ثم أرتد إلى صدرك آمناً
أفعل كل جرائمي، وأعود إليك
سامحيني، ماذا أفعل الآن؟
سامحيني، لا شيء أنا
يعرف البحر، و تعرف الحقول، وتعرفين
منذ عشرون عاماً حلمنا
لم نأبه للأرض، وأشكال المكتوب
انظري الآن، أفيقي من هذا النعاس
أكره الطب، والدواء، وأكره هذا النعاس
أنظري، ها هو الوقت بآسره
كل الزمن الذي ضاع، جاءنا الآن يحبو
أصفو الآن، وأفتح ممتلكات الأعماق
أهبكِ كنز القلب المذبوح على نبضك
أهبكِ ما لا يملك قديس أن يهب الحب
هذا الورد الطافح بالنشوات
هذا الزمن الآت طواعية في كفي
هذا الألق المنثور عطايا
سامحيني، أكاد أجن؟
سامحيني، هذا الوجود لمن؟
أعرف أن لا شيء يتوقف
أعرف ذاكرة الإنسان، وبؤسه
أعرف إيقاع الزمن الحديث، وأن لا وقت حتى للألم
أعرف أن عشرون عاما تفر الآن من دمي
أعرف أنك على الدوام مضيئة هكذا، وضيئة هكذا
.
.
.
.
يا وردة لم تؤلم غير نفسها
هذا اشتهائي الأخير
فقط كوني معي
أو فلتأخذيني معك

سامي سعد
آب 2000