إلى صديقي الغبار النجمي

صديقي الغبار النجمي
أعلم أنك تنظر لي من علٍ،
أسمعُ صوتكَ الهامس
يا غبار النجوم البعيدة،
يا أخي المتناثر الذي انفصلتُ عنه منذ البدء
أشعر بالغربة كلما فكرتُ فيك،
ترى هل تشعر مثلي بالغربة أيضاً؟.
لا تخف ياغباري
لا تخف،
لستَ وحدكَ من يفكر بعظمةِ وحدته اللامتناهية.
يوما ما سألحق بك
بعيداً بعيداً وألتحم بك،
نضيع سوياً في دوامة واحدة.
ننفجر هباءً،
وتجمعنا قبضة إلهٍ جبار،
بيده يشكل الكون كالصلصال
لنتنفسَ أيها الغبارُ ذاتنا
على هيئة كوكبٍ عملاقٍ جديد
سيتجمعُ يوماً ما، مني، ومنك
ومن كل ذرات الغبار الصديقة
يا غباري النجمي البعيد
هل أقول اشتقتُ إليك؟
لا تخف ياغباري النجمي البعيد.
لا تخف
أنا قادم.

ألا يكفيك؟

ألا يكفيك؟
السنواتُ التي تنالُ منك،
وتُعطيكَ أزمنةً،
هذا الزمنُ الذي يُغضِّنُ وجهكَ،
ويُعطيكَ بهاءً،
طبيبةُ الأسنان الحسناء التي تفسدُ ضرسكَ
مقابل أنفاسها المُثيرة من خلف كمامتها،
ومتعة النظرِ إلى عينيها عن قُرب،
ألا يكفيك؟

الحبُّ الذي يصفعكَ، يصرخُ فيكَ بعصبيةٍ،
يُقبلكَ قبلةً للوداع،
ويَمنحكَ ابنةً،
ألا تكفيك؟

الحبُّ الذي يقتلك ويفعلُ ذلك بلطفٍ،
يرسمُ على شفتيك ابتسامةً راضية،
ألا يكفيك؟

هذه المرأة التي تأكلُ قلبكَ وتمضغه بآهتين،
تمنحكَ نبضها بإيقاعٍ سريع،
تعطيكَ دمها بسكرٍ قليلٍ،
تمنحكَ رائحتَها، قطاً يُعلمك الموت،
عدةَ وصفاتٍ لشاورما الدجاج،
تشتري لك ورداً في جريدة،
تعطيك ما يستعصي على الذبول.
هذه المجنونة المنكوشةُ،
بلطجيةُ الأحلامِ، وشمسُ الغياب،
ألا يكفيك عسلها الخليع؟

هذا الحبُّ الذي أفسدَ قلبكَ ومنحكَ
قدرةً على التحمل و التألم،
ألا يكفيك؟

هذا الحبُّ الذي تراوغه لعدمِ صلاحية قلبك،
المرأة التي تشتري منكَ ألمكَ بقبلاتٍ وحب،
المرأة التي تربتُ على كلامكَ وتمنحك إصغاءً،
الحبُّ الذي سلب منك الجغرافيا،
ومنحكَ حميمية تصنعُ بها تاريخاً،
ألا يكفيك؟

هؤلاء الأصدقاء الذين يحملون نعشك،
يُعطونك حُرَّية الحياة، الاطمئنانَ على وجودك،
ألا يكفيك؟

ديسمبرُ الذي كلَّما أتى لينتقصَ من وحدتك،
ويُعطيكَ أملاً بطعم الشيكولاتة،
ألا يكفيك أيها الجاحد؟
ألا يكفيك؟

الطريقة المختصرة لكيفية تأليف كتاب ونشره

إذا كانت لديك فكرة ترى أنها جديرة بتأليف كتاب، فابدأ بالكتابة. قم باستثمار مبلغ جيد من المال في ترجمته إلى الإنجليزية، وانشره إلى العالم كله عن طريق مواقع النشر الذاتي مثل أمازون كيندل وغيرها. عندما تحصلُ على قارئك السعيد الأول، ابدأ في كتابك الثاني.

تسألني عن كيفية الطريقة الصحيحة لتأليف كتاب؟ سأحدثك عن الطريقة المختصرة.

مبدئياً لا توجدُ طريقةٌ واحدةٌ صحيحة، فالتأليف أمرٌ ملتبس ولا يوجد تعريف محدد يحصره في فئة الأكاديميين مثلاً، أو الأدباء المبدعين أو غيرهم، ولكن، سؤال الكيفية هذا على بساطته وبديهيةِ إجابته، إلا أنه مُهم، و يُسببُ الكثيرَ من المخاوف بالنسبة للأشخاص غير المتورطين في مجال الكتابة، لكن لديهم ميول لأن يكونوا صناع معرفة. ثق/ثقي بما أنك قد سألت هذا السؤال، أو حتى اهتممت بإجابته، فإن لديك اهتمامٌ حقيقيٌ بالكتابة.

تنبعُ أهميةُ السؤال من كونه قديماً وشائعاً، وأيضاً من أهميةِ الأشخاص الذين حاولوا الإجابة عليه وألفوا كُتباً في ذلك، فعددٌ لا بأسَ به من المؤلفين الكبار والأدباء قد أشبعوه إجابةً وملؤوه تنظيراً، ولكن السرَّ الذي يدفعُ جزءً كبيراً من الناس لمعاودة سؤاله مراراً وتكراراً، هو تمنياتهم بأن تكون الإجابةُ على قدرِ المعطيات التي يملكونها، إنهم يُريدون تصريحاً خاصاً مُفصلاً على ظروفِ حياتهم، ومقاسِ إمكانياتهم المعرفية. لا مشكلة، تعالوا سأعطيكم ما يُمكن أن يكون تشجيعاً وتبسيطاً – قد يكونُ مُخلاً – لكنني حرصتُ بالتأكيد على أن يكون عملياً.

وسأكونُ في غاية السعادة إذا ساهم ذلك – ولو بمقدارٍ ضئيل – على إقناعك بأن تكتب، أو حتى أن يُشعرك بالرضا الذاتي عندما تقتنعُ داخلياً بأن الكتابة ليست حلماً بعيد المنال أو أمراً مستحيلاً، كل ما في الأمر أنه ليس لديك ما تقوله في هذه المرحلة.

عملياً لا يجبُ أن تمتلكَ أيَّ مُعطياتٍ خاصة من أجل تأليف كتاب باستثناء:

– لغة تكتبُ بها.

– وفكرةً تعيشُ في رأسك وتودُّ أن تكتبَ عنها، أو عاطفةً أذاقتك الألم، السعادة، اليقين، الشك، الخوف، إلخ

– وأداة كتابة، سواء كانت قلماً، شاشة، أي أداة يمكنك بها تدوين الكلام بشكل سهلٍ ويتناسب مع تفضيلاتك.

– وربما بعض الطموح الذي يدفعك لإتقان ما تكتب.

– ولنكون في غاية العملية، ربما يلزمك بعض الخيال الذي ينمو فينا جميعاً. إذا كنت قادراً على الحلم وأنت نائم، فأنت قادرٌ على التخيل وأنت مستيقظ.

غير ذلك لا تحتاجُ إلى أي تصاريح، أو دورات خاصة، أو إمكانيات معرفية هائلة.

لستَ بحاجة أن تكون أكاديمياً مثلاً، أو باحثاً، أو مُتخصصاً في شئ ما.

اكتب ما تشاء، ففي النهاية، التفاعلات من حولك ستحكمُ عليك إذا ما كنتَ كاتباً جيداً أم لا.

ومع السهولةِ الظاهرة، لا تنس أن عليك مسؤولية أخلاقية في أن تتوقف عن الكتابة إذا لم يكن لديك فعلياً ما تقوله.

ومع وضعِ ذلك في خاطرك، ومع وصولك لهذا السطر من المقال، أنصحكَ أيضاً ألا تُهوّن من شأنِ نفسك، فكثيرٌ من المؤلفين العباقرة لا زالوا مجهولين حتى بالنسبة لأنفسهم، قد تكون أنت منهم وكل ما يحولُ بينك وبين ذلك هي التجربة.

لذا حاول الموازنة بين مسؤوليتك الأخلاقية بألا تقدم شيئاً إلا إذا اجتهدت فيه فعلاً وكنتَ تشعرُ بأنك ستضيفُ شيئاً ما، وأن لديك ما تقوله ويستحقُّ الاستماع، وما بين عدم رضاك عن نفسك، أو ترددك الذي قد يمنعك من النشر بحجة أنك لم تصبح جيداً بعد، أو أن ما لديكَ ليس جيداً بما يكفي.

هذه بعض الخطوات التي تساعد على البدء:

لكي تكتب / تكتبي كلاماً له معنى وصدى في نفس المتلقي الذي يقرأ، لابد من تطوير طريقة سرد الأحداث، وتطعيم الأسلوب بتلميحات، وإحالات، واستعارات، وما إلى ذلك.

لكي تتمكن من استيفاء ذلك، تحتاج للمزيد من القراءة، اقرأ كثيراً، كثيراً، كثيراً، الكتابة تحتاجُ لوقود، هذا الوقود يتكونُ بالمزج ما بين خيالك والمعرفة الغافية في عقلك الباطن، التي تراكمت عبر عشرات الكتب والروايات والقصائد التي قرأتها.

كن صادقاً في نشر تجربتك الذاتية، لا تكتب للناس في المقام الأول، اكتب لأن لديك ما تقوله، وأنت بحاجة ماسة لتفريغه في كتاب. اكتب لنفسك، عن تجاربك، عن هواجسك، حينها سينجذب القارئ للصدق الشديد الذي يُحسه في ثنايا حروفك.

أخيراً، انشر عملك الأول مهما كان ناقصاً، وغير مكتمل، ومهما كنت غير راض عنه، لكن أعطه للنقاد، والصحفيين، ووزع نسخاً على الأصدقاء، واطلب من الجميع رأيهم وانطباعهم عما كتبته، ثم احرص على الاهتمام بآراء من لا يعرفونك، ولا سبب لديهم لمجاملتك.

ستأتيك ملاحظات كثيرة، قد يقول لك البعض: أنت لست بكاتب، أو ما هذا التخريف، تختلف الأساليب وتتراوح ما بين الحدة واللطافة والنقد الموضوعي، لكن أياً يكن، خذ الملاحظات التي تجد في نفسك القدرة على تطويرها، وافتح صفحة جديدة، وابدأ بكتابة كتابك الثاني.

ها؟ ما الذي يمنعك من تأليف كتاب؟

التدوين غير المتكلف: إزالة حواجز النشر

[notice noticeType=”info” ]التدوين: وهو الكتابة الجادة المنتظمة في مساحتك الشخصية، يُعد أحد أهم وسائل الكتابة الرقمية، كما أنه يحتل مرتبة متقدمة في عالم التسويق الرقمي. العديد من المدونات بدأت كمساحة لنشر خواطر أصحابها، وانتهت كمشاريع تدر عليهم دخلاً يقدر بآلاف الدولارات. عن التدوين اللامُتكلف، والحواجز التي تقفُ عائقاً بين المدونين والنشر، يكتبُ ليو بابوتا الذي ترجمتُ عنه هذا المقال بتصرف وزيادة : [/notice]

كانت أوقاتاً كثيرةً تلك التي أعاني فيها من أجل كتابةِ تدوينة لأجعلها مثالية. كنتُ تقريباً أقضي ساعات، إن لم تكن أياماً، قبل أن أنشر التدوينة. كان ذلك فيما مضى.

المثالية في الكتابة عدوٌ لدودٌ. لا تكن مثالياً.

هذه الأيام، أكتبُ في أربعةِ مدوناتٍ مُختلفة دون أن أهدر الكثير من الوقت: Zen Habits – mnmlist.com – – Write To Done – Zen Family Habits وإذا سمحتُ للمثاليةِ أو لملايين العقبات الأخرى بالوقوف في طريقي، فغالباً لم أكن لأقدر على إيصال أفكاري أو مواصلة الكتابة في هذه المدونات مجتمعة.
أن تكون لديك أفكار، ليست هي المشكلة، فلدي ملايين الأفكار، وهكذا كل إنسان، لكن ما تعلمته حول إيصال هذه الأفكار للعالم أن تفعل ذلك بالطريقة الأبسط دائماً، دون تَكلفٍ، ولا مُعاناة.
عندما تُعاني في طريقةِ إيصالِ أفكارك، فثق أنها لن تخرج كما تريد، ولن تصل كاملة أبداً، سينال منها كل شئ ثانوي، حتى تصبح فكرتك الرئيسية الواضحة في ذهنك، ثانوية في ذهن المتلقي.

ما هي عوائق التدوين بالنسبة لك؟ ما الذي يُؤخرك ويُعطلك ويمنعك طويلا؟

هل هو الخوف من أن تبدو ساذجاً أمام الآخرين؟ تشتت فكري؟ مشغولٌ بمتابعةِ نظام إدارة محتوى مدونتك؟ وروابط الأصدقاء، والتعليقات، والقائمة الجانبية لموقعك وتظنُّ أن ذلك أهم من الكتابة؟ تنشغلُ بتنسيقاتِ الخط والألوان واختيار الصور؟ تحاولُ جعل لغتك بلاغية وأدبية راقية فتبدلُ وتغيرُ وتُحرر مما يؤخرك عن النشر؟
ألا زلتَ تبحثُ عن عنوانٍ مناسبٍ لموضوعك؟

كل هذه العوامل، وعوامل أخرى، تخلقُ التردد، وكلما ترددت، كلما أصبح معدلك أبطأ في النشر والانتشار، وكلما ازداد الوقت الذي تحتفظُ فيه بأفكارك لنفسك ولا تُشاركها مع غيرك.
[notice noticeType=”attention” ]
الآن يجبُ أن نسأل: هل من المُحبب والمطلوب أن ننشر سريعاً وبصفة دائمة؟
– ليسَ دائماً.
[/notice]

إنني مُعجب جداً بالإيقاع البطئ في الحياة، وفي كل شئ. لكن لا تظن أن وفرة الإنتاج ضد طبيعتي، إن هذا صحيح فقط إلى حد مُعين يحفظني من الفوضى، و يُبقيني بعيداً عن التعقيد.
أنا لا أحبُّ الإيقاع السريع للحياة، إنني أفضلُ الإتقان على السرعة، لذلك إن كنت ستستمتع بفعل الكتابة، ثم تنشر ما كتبته بكل بساطة، دون أن تُشتت نفسك وذهنك بمختلف العوائق، فهذا إحراز جيد لهدفٍ قيم.
أنت لا تحتاج أن تكون وافر الإنتاج والكتابة، أو سريعاً في إيقاعِ ومعدلات النشر، إنني كمُدوِّن، أهدفُ فقط إلى وضع الأشياء في مكانها الصحيح. لدي بعض الأفكار التي أريدُ إخراجها للعالم، كي يتم استخدامها، ونقدها، والحوار معها، والبناء عليها، أو حتى ليتم أرشفتها إن لم يهتم بها أحد، المهم أنها خرجت، إن ذلك أفضل من أن تظل أفكاري حبيسة رأسي، ولا تخرج للعالم.

التدوين يُتيحُ لنا فرصةً رائعة من أجل التواصل، وإخراج الأفكار ومشاركتها ببساطة.
لذلك أنشر، دون تردد أو تمادي، وهذا ينجحُ معي كثيراً، ويحفظ وقتي لعمل أشياء أخرى، كالمزيد من التدوين، أو كتابة الكتب الإلكترونية في مواضيع أتقنها، أو عمل بعض الأشياء الرائعة والممتعة الأخرى.

[notice noticeType=”approved” ]لذا إن كنت مُهتماً بالتدوين اللامُتكلف، السهل البسيط، فاتبع هذه النقاط: [/notice]

  •  اكتب في مُحرر نصوص بسيط، تجاهل التنسيقات، ابتعد عن الووردأوفيس، وكل البرامج الأخرى التي تُغريك بتنسيقِ ما تكتبه، فهذا يُضيعُ وقتك في التنسيق، ويُشتتُ الفكرة الأصلية التي تحاول إيصالها. لا تقلق بخصوص الروابط، والصور، لا تفكر فيها الآن. اعتبر عملية الكتابة هي إنجاز النص فقط، وانس التنسيق.
  •  استخدم نظاماً بسيطاً لإدارة المحتوى، ووردبرس، وبلوجر، اختياران رائعان، لكن لا تكتب من خلال محرر النصوص الخاص بهما، فغالباً تقبع حواليك مُشتتات ومُغريات كثيرة قد تجعلك تشرد عن تركيزك في استعراض أفكارك. قد تُفكر أي في أي تصنيف ستضع مقالك، وأي وسومات سَتسمُ بها التدوينة، قد تحرص على إضافة الروابط أثناء الكتابة، وهذا خطأ. أجِّل كل شئ لما بعد الانتهاء من النص، فهو الأساس.
  •  عندما تبدأ في الكتابة، أغلق متصفح الانترنت، وافصل اتصالك، اقطع نفسك عن الشبكة، وأغلق أي برامج تظهر أمامك، لا تُبق إلا محرر النصوص، لتكن أنت، وأفكارك، والشاشة، فقط لا غير.
  •  تجاهل المثالية، إن المثالية هي أكبرُ عقبةٍ في طريقِ أغلب المدونين، خصوصاً المبتدئين منهم الذين يقضي بعضهم أياماً لتصنيع وخلق التدوينة، ونتيجة هذا السلوك النشر غير الدوري وتباطؤ نمو المدونة، وهو ما يُعتبر ضدَّ المدون، لذلك يجب أن تنسى أنك بحاجة للمثالية في كتاباتك، ركز على إخراج أفكارك فقط وصياغتها، اكتبها كما هي، كما تفكر فيها حتى لو كانت غير منطقية، حتى لو كانت أفكاراً عشوائية، يمكنك لاحقاً تحرير ما كتبته وتعديل الأخطاء، والربط بين الجمل والفقرات.
  •  انشر أولاً، ثم عدِّل: وهذه الطريقة مناسبة أكثر لأولئك المترددين، الذين يجب أن يُجبروا أنفسهم على النشر مهما كانت العيوب التي يرونها في كتاباتهم، فعندما تظل كتابتك قيد الخفاء، تُعالجها في مسوَّدة ولم تقم بعد بخطوة النشر، فنسبة تراجعك عن نشر ما كتبته أكبر، واحتمالية نسف جزء كبير من أفكارك أكبر، ربما قد تظن نفسك سخيفاً، أو تراودك أوهامٌ حول آراء وتوقعات القراء، فتخاف وتتراجع، لذلك إن كنت متردداً، انشر أولاً ما كتبته، ثم ابدأ بتحريره وهو منشور.
  •  اختر عنواناً مناسباً: إن كان من جهد أنصحك ببذله في كتابتك، فهو اختيار العنوان، لا بأس بإطالة التأمل قليلاً في هذا الأمر، العنوانُ شئ أساسي ومُهم لأي كتابة، وفي حالة قررت النشر قبل التنسيق والمراجعة، فالأمر الوحيد الذي يجب أن تتأنى فيه قليلاً، هو اختيار عنوان. دقيقتان وقتٌ يكفي لتقرر، لا تزد عن ذلك، تأمل أفكارك، استعرض أغلب الفقرات، وأدر في ذهنك أكثر من عبارة، حاول أن تخلق منها عنواناً جذاباً يصف المعنى بدقة، لكن لا تجعل الأمر درامياً أكثر من اللازم وتطيل التأمل لدرجة تحتار فيها، إن ترددت كثيراً، فضع أقرب عنوانً موضوعي يصف كتابتك، وانشر، ستتقدمُ هذه المَلَكة لديك مع الوقت.
  •  إن كنت سترفق نصك بصورة، فاختر أول صورة تصادفك، وتناسب الموضوع. لا تطل البحث عما يناسب المقال بالكمالية والمثالية التي تراها في عقلك، هذا سيستهلك الكثير من الوقت، مما سيعطلك عن مهامك الأخرى.
  •  الآن وقت التنسيق: لا تتكلف في اختيار الخطوط والألوان والتنسيقات. اجعل للتدوينة لونين على أقصى حد، لون للعنوان، ولون للمتن، العناوين والنقاط الرئيسية بخط سميك، وبقية الكتابة بخط عادي. لا تستخدم خطوطاً كثيرة، ولا تستخدم نصوصاً مُتحركة، أو نصوصاً بخلفيات ملونة، أحياناً ينفر القارئ من هذه التنسيقات. أيضاً لا تُكثر من استخدام الخط المائل.
  •  في الختام، هل تخاف أن تبدو سخيفاً وسطحياً؟ خوفك مشروعٌ ومنطقي لا بأس، الجميع يبدون أحياناً كذلك، لا أحد يبدو عميقاً وموغلاً ومثار إعجاب وإبهار على الدوام، حتى أعظم المفكرين والكتاب، لديهم في ثنايا أفكارهم ما يجعلك تظنُّ أن بمقدورك التفوق عليهم، وأحياناً قد تكون أفكارك – على سطحيتها – نواةً لفكرة أعمق، قد يقرأها أحدهم ويتفاعل معها، وبذلك تكون ببساطة فكرتك قد ساهمت في تلاقح معرفي بينك وبين الآخرين.

المصدر: هنا

الغزالة – أحمد بخيت

قالت لي الريح
ما قالت
لي الريح
أطغى من الليل
أن تعمى المصابيح
في البرق
ما يسكر الأبصار
فابتسموا
وقهقهوا
حين يأتي الرعد
أو نوحوا
لم تلبس الأرض
أسماء السما
كذبا
إلا ليضربها الطوفان
يا نوح
كم صارخ _ عفوَ يحيا
لاحياة به
إلا الصراخ
طبول حشوها ريح
كم من مسيح
ولا كأسا مقدسة
حاشا ابن مريم
لا راح ولا روح
قبل الصعود
على هذا الصليب
معي
قل لي : من الحب
أم بالحب ممسوح ؟
ما أكثر الضحك الباكي
ولا فرح في الضاحكين
و لا في الجرح مجروح
ونحن لا مقلة إلا ودامعة
ونحن لا كبد إلا ومقروح
معلقون فرادى
كي نموت معا
فأرجحينا برفق
يا أراجيح
تدري الغزالة
أن النبع ليس هنا
لا توقدوا الشمع
إن الدمع مفضوح
إن الضحية لا تبكي
من عجب
في شهوة القتل
أن تبكي التماسيح
يا أخت مريم
لم أنكر محبتنا
إن الكناية إجلال
وتصريح
منذ افترقنا
كـحواء وآدمها
والنزف منفرد
والضلع مجروح
سيري كـخائفة
وإبكي كـ عارفة
عيناك
في الدمع
ترتيل و تسبيح
في الحب
في الموت
في الميلاد
يوجعنا
ن تمنح الروح
أو أن تنزع الروح
ما ضيق الأرض إلا
ضيق خطوتنا
والروح _ بعد _ براح يا تباريح
وما كسونا قوارير الحنان بنا
حتى نصدق أن العطر مسفوح
وما أضعنا مفاتيح الغياب
معا
إلا لنعلم أن الباب مفتوح

رسالة إلى شاعر شاب – محمود درويش

التسجيل على ساوند كلاود:

لا تصدّقْ خلاصاتنا، وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أوّل من يكتب الشعر،
أو آخر الشعراء!
إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتداداً
لأهوائنا،
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء.

لا تسل أحداً: منْ أنا؟
أنت تعرف أمّك..
أمّا أبوك… فأنت!

الحقيقة بيضاء. فاكتبْ عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!

إن أردت مبارزة النسر
حلّق مَعَهْ
إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْ

الحياةُ أقلّ حياة،
ولكننا لا نفكّر بالأمر،
حرصاً على صحّة العاطفةْ

إن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!

أنت مثلي، ولكنّ هاويتي واضحة
ولك الطرق اللانهائية السرِّ،
نازلة صاعدة!

قد نُسمّي نضوبَ الفتوة نضجَ المهارة
أو حكمةً
إنها حكمةٌ، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائيّة الباردة

ألفُ عصفورة في يدٍ
لا تعادل عصفورةً واحدة
ترتدي الشجرة!

القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!

المثالُ عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدى

للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردة

شُذَّ، شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ
لتكتمل النشوة الصاعدة

لا تصدّق صواب تعاليمنا
لا تصدّق سوى أثر القافلة
الخُلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلة

كن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْ

الطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهلٌ ومرتفعات، ونهرٌ ومنخفضات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبق
أو المشنقة!

لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهنّ
أخاف عليك من الكاميرات الخفيّات
في سُرَر المطربات

لن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُ

الوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملٌ

لا تفكّر، وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة… والفراشات تكملها

لا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام

تقنية الكاتب في ثلاث عشرة أطروحة

 

  1. على من يعتزمُ كتابةَ عملٍ ضخم، أن يتمهلَ، وألا يضنَّ على نفسه؛ فورَ أن يكتملَ الواجبُ الكتابي الثقيل، بكلِّ ما لا يعوقُ استمرارَ العمل.
  2. تحدَّث إذا شئتَ عمَّا اكتمل، لكن لا تقرأ أيَّ مقطعٍ منه للآخرينَ أثناء استمرارِ العمل، فكلُّ شعورٍ بالرضا ستناله بهذه الطريقة سيبطئُ من إيقاعك. وباتباعِ هذا النظام ستصبحُ رغبةُ التواصل التي تتصاعدُ دونَ توقفٍ دافعاً على إنجازِ العمل في نهايةِ المطاف.
  3. حاول أن تتجنبَ؛ في ظروفِ عملكَ، ابتذالَ الحياةِ اليومية، فشبه الاسترخاء على خلفيةٍ من الأصواتِ التافهة؛ يحطُّ من قدرِ المرء. وعلى النقيضِ؛ فإنَّ مُصاحبةَ دراسةٍ موسيقيةٍ أو أصواتٍ مُشوشةٍ يُمكنُ أن تُصبحَ من الأهميةِ للعمل قدرَ أهميةِ سُكونِ الليلِ المحسوس. وإذا كانَ هذا الأخير يُرهفُ الآذانَ الداخلية، فإنَّ تلكَ الأولى تُصبحُ الحجرَ السحري لأسلوبٍ يكونُ من الثراءِ بحيثُ تنطمرُ فيهِ حتى الضوضاء الغريبة.
  4. تجنب استخدامَ أيِّ أدواتٍ كتابيةٍ دونَ تمييز. فالتعلُّقُ الحواذي بأنواعٍ معينةٍ من الأوراقِ والأقلامِ، والأحبار، أمرٌ مُفيد. وما لا غنى عنه هنا ليسَ فخامةُ هذه الأدوات، بل وفرتُها. *
  5. لا تدع أية فكرةٍ تمرُّ مجهولةً، واحتفظ بمفكرةِ مُلاحظاتك بنفسِ الصرامةِ التي تحتفظُ بها السُلطات بسجلِ الأجانب.
  6. اجعل قلمكَ يترفعُ عن الإلهام، وسوفَ يجذبهُ نحوهَ بقوةٍ مغناطيس. وبقدرِ ما تُتيحُ من التأني في تسجيلِ فكرةٍ عرضت لك؛ بقدرِ ما تكونُ أشدَّ نُضجاً حينَ تُسلمُ نفسها إليك عن طيبِ خاطر. الكلامُ يهزمُ الفكرة، لكنَّ الكتابةَ تُسيطرُ عليها بمهارة.
  7. لا تتوقف أبداً عن الكتابة لأنَّ الأفكار فرغت منك، فالشرفُ الأدبي يُملي عليكَ ألا تقطعَ الكتابةَ إلا لاحترامِ توقيتٍ مُعينٍ ( كوجبةِ طعامٍ، أو موعدٍ هام ) أو حينَ يكتملُ العمل.
  8. املأ فترات انقطاع الإلهام بنسخِ وتبييضِ ما انتهيتَ منه فعلاً، وسوفَ يصحو الإلهامُ في هذه الأثناء.
  9. لا يومَ بدون سطر. سجل على الأقل فكرةً كل يوم، ولا في سطرٍ واحد.
  10. لا تعتبر أيَّ عملٍ مُكتملاً أبداً ما لم تنكبَّ على العملِ فيه مرةً من المساءِ حتى صباح اليوم التالي.
  11. لا تكتب خاتمةَ عملٍ ما في الغرفةِ التي تعملُ بها عادةً، فلن تواتيكَ هناكَ الشجاعةُ الكافية لختمه.
  12. مراحلُ التأليف هي: 1) الفكرة. 2) الأسلوب. 3) الكتابة. ويتمثلُ معنى النسخة المضبوطة في أنها أثناءَ العمل الذي تتطلبه، تُوجِّهُ الانتباهَ إلى الخطِّ وحده. الفكرةُ تقتلُ الإلهام، والأسلوبُ يُقيدُ الفكرة، والكتابةُ تُعوِّضُ الأسلوب.
  13. العملُ هو القناعُ الجنائزي للفكرةِ الأصلية.

ـــ

  • يُمكن تطبيق هذه التوجيهات القيمة في سياق التقنيات الحديثة، باستبدال: الأقلام بلوحة مفاتيح الكتابة في الكمبيوتر، والأحبار، بنوعية الخط، وحجمه، ونوع المُحرر النصي الذي يستخدمه الكاتب، الاستقرار على نوعٍ محدد، وتنسيقاتٍ معينة، مُفيدٌ للكاتب، والتعود الناتج عن الاستقرار يجعلُ من الكتابة حرفةً أصيلةً لدى الكاتب، على عكسِ الفوضى في استخدام الأدوات المُساعدة.
  • من كتاب: شارع ذو اتجاه واحد لفالتر بنيامين

قِياسُ الهاويةِ بآلةِ الكلام

I

القدمُ:
سبعُ خُطواتٍ إلى الوراء،
سبعُ أفكارٍ تسبقُ المعنى،
خُطوتانِ إلى الأمام،
عُمرٌ كاملٌ من الكتابةِ،
للوصول.

باطنُ القدمِ:
تأملُ اللهِ في شرقِ البحيرة،
المشيُّ على آثارِه باتجاهِ الداخل.
الغرقُ.

الروحُ:
عُريٌّ لا يَشِفُّ،
تَعرٍ لا يَفضحُ،
هُلامٌ للمادةِ، مَادةٌ للهلامِ،
شبقٌ للقاءِ الغريبةِ.
الشَّرودُ.

الجسدُ:
شَهوةٌ للغريبةِ،
السيرُ عارياً نحوَ البعيدةِ،
امتطاءُ الوَحْشَةِ ليلاً.

دَمٌ للعشبِ،
عُشبٌ ينبتُ في صَدري،
تتوسَّدُهُ القريبةُ،
البعيدةُ
الغريبةُ.

II

وَلَدْتُ نفسي في كهفٍ مُظلمٍ،
فنَمَتْ حَواسِّي في العتمة.
تعلمتُ أن ألمسَ وُجودي،
كي أكونه.

تقتربُ الحقيقةُ مِن دَمي،
في لقاءِ الغابةِ بالليلِ
أسفلَ الشجرةِ كُلَّما
وُلدَ معنىً جديد.

III

أتعوَّدُ الشعرَ،
تلتقي ضِفَّتانِ في آخرِ الليلِ،
في أوَّلِ الأنثى، في عبورِ القصيدةِ
قَمراً يَنزُّ برغبةٍ فِضيةٍ، أو نَهراً مَوجوعَ
البَللِ، أو نَهداً قُدسيَّ الشَبقِ.

الخيالُ الْمُشعُّ للحِكمَةِ،
خيالُ الكلمةِ،
نورُ الظَّلمةِ، ودليلُ الْحُلكَة
الباهرة.

IV

مَنذورٌ للريحِ، ولحلمِ النارِ الصاعدة،
مَنذورٌ لهواجسِ الغريبةِ، لِخوفِ العذراءِ،
للعواءِ، ولِحفلاتِ الأنينِ الجماعيةِ
تُنظمها الحياةُ، ويَرعاها الوجود.

مَنذورٌ للهاويةِ.
السقوطُ إلى العدمِ الْمُمِضِّ،
أن يَطأَ الإنسانُ عَدمَه خارجَ
سياقهِ، من أجلِ كينونةٍ أخرى.
V

دُخانٌ يتكوَّرُ على نفسهِ، ويَخلُقني.
يدُ اللهِ تحيطُ بي وأنا على هيئةِ ذَرَّةٍ، وتَخلقني.
قَصيدةٌ نافرةٌ في دَمي، تتشظَّى فيَّ، وتَخْلُقني.
كَونٌ يتمَدَّدُ في ذاكرتي، ويَخلقني.
ذاكرتي مُمتَدَّةٌ مُنذُ خلقتُ،
ذَاكرتي قُرصٌ ممغنطٌ
لا تنتهي قدرته على التسجيل.

صَوتيَ مَلعونٌ،
صَوتيَ أفولُ الليلِ،
وخَاتمةُ اللحنِ الضائع.

VI

مُصابٌ بلعنةِ التحوُّل.
قَدري مُخبَّأٌ في وَشمٍ
على هَيئةِ ثُعبانٍ أسطوري،
مَرسومٍ فوقَ عانةِ غجريةٍ حسناء.

VII

مَطعونٌ بالمجازِ،
أواجهُ الاسفلت بقناعٍ
يحجبُ عن الآخرينَ رؤيتي
كاملاً،
فأكونُ النقصَ في نظرتهم،
الضعفَ في توَّهُمهم للقوة،
الانحلالَ في تظاهرةِ الفضيلة،
أكونُ المعنى الزائدَ عن حاجتهم،
لأنني بكلِّ كلماتي، لا يحتاجني
أحدٌ سوايَ.

VIII

مَوتي حياةُ الكلمة،
والكلمةُ دليلي نحوَ الأبد.

أحكي تاريخَ الرعشةِ
طوالَ الوقت.
لحظاتي قُربانٌ للضجرِ
كي يَدعَني أخوضُ الموتَ
بسعادةٍ بالغة.

أموتُ كلَّ يومٍ، كي
أحيا قليلاً.

تَحضُّري مثاليةٌ تربويةٌ،
ولُغتي أسلوبٌ غيرُ محايد
لتناولِ الحياة.

مَا الحِيادُ؟
أن تظلَّ على قيدِ
لا شئَ. أن تقفَ
على الحافةِ، ولا تسقطُ.

ما الأملُ؟
أكبرُ داعرٍ يُقيمُ فينا،
ونستطيبُ مُقامَهُ.

ما الخداعُ؟
فضيلةُ هذا الزمان.

IX

أغوصُ في عمقِ دوامةٍ رملية.

أجيدُ تقشيرَ البرتقال.

مُذنبٌ بحالةٍ جيدة.

متوقفٌ عن النبض.

صامتٌ كمقبرة.

مُجرمٌ، بانتظارِ جريمة.

إنسانٌ يحبُّ ظلَّه في الأرض، ويحميه من الشمس.

حارسُ الهاوية سادنُ الخواء،
مَعاً ضدَّ العالم.
ضدَّ الوقُوعِ ضَحَايَا لِمَا هُوَ حَتمِيٌّ.

X

هَاويةٌ تتنفسُ دُونَ عُمقٍ،
لاَ قَرارَ لها.
لا جبالَ تقطعها،
لا وديانَ تتيه فيها كي تصلَ إليها،
إنها تصلُ إليك.

حديث ليلة عارية: تكوير الوجع

تكويرُ الوجع

ورثتُ عن الراسخينَ عيناً يختبئُ انفعالها خلف نظرةٍ ثلجية، ورثتُ عنهم بعض الكلماتِ التي أخاطبُ بها سريرتي فأثبتُ عند البلاء، وألعن في داخلي كل شئٍ دونَ أن تُنبئ شفاهي عمَّا أقول. لم أدهن جسدي بالزبدِ، ولم أشرب من أي ماءٍ مقدس، ولم يحالفني الحظ لمضاجعة أنثى يفوق شبقُها ماءَ جسدي، لقد توجتني كلماتي أميراً للخراب، وأسلمتني أيامي إلى الهاوية.

هذه ليلةٌ ملعونة. إنها ليلة ميلادي، حيثُ انبعثَ في داخِلي رمادُ الطفولةِ، لكنه لم يتجدد، وأنا لا أستطيعُ الهربَ إلا كتابةً.
ها أنا ذا ليلاً. خلف الشاشةِ وحدي، مُتربصاً. لا أدري ما الذي أفعله بليلٍ ثريٍ كهذا؟

لو كانت لدي تلك الأنثى البعيدة عني، المطلة على نافذةِ محادثاتي، لاقترفتُ الآثامَ كلها، الغضب، والشبق . ما أبدعَ الشبق.

أنا ما امتلكتُ وجودي بعد، لم أشعر بحقيقةِ الوجودِ يوماً، لم أشعر بنشوةِ الحياةِ إلا وأنا أفضُّ بكارةَ ورقةٍ بيضاء، ثم أتأملها منتشياً، أما الواقع، فقد تعثر بالفعل الإباحي الردئِ الذي أرخى سدوله على كل شئ. لقد انزلقت أيامي إلى زمنٍ أقفُ على بوابته عالقاً، دون أن أتمكن يوماً من الرحيل.

الليلُ الذي يفورُ في داخلي الآن، ويختلطُ بدمي صبغَ كل شئٍ برائحةِ شهوة، وليس ثمة رائحة أخرى طاغية غير رائحة الشهوة التي تزكم الأنوف، وتستثيرُ أخيلتي.

***
 

أوه يا صديقتي، هذا ليس حباً كما تتصورين، في الحقيقةِ أنا لا يعنيني الحب، هه، لماذا؟ لأنه لا يتضمنُ أي أنثى تستطيع أن تدبغ جسدي بمائها، ولا حتى أنتِ، فأنتِ خجولةٌ بما يكفي لإفسادِ أكثر خيالاتي احتشاماً.
اصمتي، أعلمُ ما تقولين. الحبُّ شعور أسمى من آثام الجسد. كلا يا صديقتي لقد مضى عهد الفضائلِ التي تعرفينها، وهذا زمنٌ ملعونٌ. خيبةُ الأملِ شعورٌ وطني، والمعاني الشعرية في نشيدِ الوطن تلاشت من القاموس، والأغاني لم تعد تغنيها الحناجر، بل أجهزة المونتاج، وتلك الأدوات التي بإمكان المرء استخدامها في مضاجعة نفسه انتشرت في كل مكان، ويمكن طلبها بالهاتف.

حسناً حسناً، لا تقولي الآن تصبح على خير حمودي، لا تقولي ذلك، إني لأنتظركِ منهوماً، وهذه ليلةُ ميلادي، لو كنتِ هنا، سيُحرق هواء تنفسكِ رئتيَّ، وسأمتصُّ الليلَ كقطعٍ من سكر المكعبات.
آه يا صديقتي، جنونٌ أن يكتبَ المرءُ في ليلةِ ميلاده، أحلمُ الآن بنومةٍ سكرى على رمالِ شاطئك، فلمن أقدمني، ولمن أدفعُ كي يُرسلني إليكِ في شُعاعٍ ضوئي؟


تباً. يبلغُ بيَ الشعورُ عميقاً بأنني مُهْمَل. يتيمُ الحكمة وقدري التمرد. ولدتني أمي عقاباً لي. عائشٌ في كلِ شئٍ ممنوع، نافرٌ من كلِ شئٍ مباح. هل لديكِ تفسيرٌ لحالتي؟

لو تعلمين ياصديقتي، سريري – رغم كلِّ شئٍ – أشهى، و ما بعده أبعد من متناول أوهامك. لا تستطيعُ أنثى أن تجتاز سريري عابرةً منه إليَّ إلا عندما تجتاز عُقدي الشهوانية. هل ستفعلين؟

على أبدِ النارِ والطفولةِ أنام، هل تسمعين بروقَ العصور، هل تسمعينَ آهاتِ أحلامي؟

الآن يمكنني أن أغادر، هيا، قولي لي: تصبح على خير، لأقول لك: بل سأصبح على ما أشاء.

– كُن بخير.

- سأحاول.

صلاة

 

الإلهةُ النائمةُ بجانبي لا تتعرى ليدي عندما أعبثُ بجسدها، بل تنهرتي بصوتٍ نائمٍ لا يكفي لصدِّ غبارِ الشهوة.
يَدُها التي تَصُدُّنِي تَكنِسُ غُباريَ الأرجُوَانِيَّ. وأنا أُصرُّ على مُعاودة الهبوبِ وطَمرِهَا بالغُبَار. أنا رسولُ الترابِ، ورحمةُ الأرضِ لأبنَائِهَا.
جَسدِي يَتلُو قُرآنَ الشَّهوةِ، ورياحي تَحمل بُشرَى الْمَطر.
سلامٌ عليكم أيها الهاجعون في مرقدِ التشهي عَاطلونَ عن الفعلِ الْماتع. سلامٌ لجفافكم الظامئ. سلامٌ لأعضائكم البتولُ وهي تتشظى شبقاً لنُتفةٍ من خطيئة.

 

 

حوار صحفي: أتمنى أن تفني نظرياتي علم الشعر الحديث وتكبه في الزبالة

[notice noticeType=”info” ]حوار صحفي مع: محمد الشموتي: أتمنى أن تفني نظرياتي علم الشعر الحديث وتكبه في الزبالة، حاورته:  منى وفيق، تم نشره لأول مرة في مجلة أويا الأدبية [/notice]

منذ سنوات ليست بالقليلة ارتفع حارس الهاوية من الهاوية بفعل جاذبية الشعر ليصير شاعرها و حارسها الأبدي . مدونته على الإنترنت كانت من أول المدونات المصرية التي تحتفي بالكتابة والصعلكة والشعر والوجود والإيروتيكا .. كثيرون تساءلوا ، ماذا ينتظر محمد الشموتي لكي يطبع ديوانه الأول وهاهو يفعلها أخيرا

يكاد يكون الشموتي متفرغا للكتابة وتسجيل الدواوين وقصص الأطفال و كتب علم النفس والقصص وأنواع كثيرة من النصوص بصوته المميز بعد أن أنشأ شركته الخاصة “صبا الصوت “.

حين تلتقي هذا الشاب ذا الشكل الوجيه ونظرات تشبه نظرات ” كوالا لئيم ” يخطر ببالك أنك أمام رجل أعمال مبذر وربما قد يكون آخر ما تفكر به أنك أمام كاتب صعلوك يغامر بكل شيء من أجل ما سوف يتخلى عنه لاحقا.
صدر للشموتي مؤخرا عن دار فكرة ، ديوانه الأول “يحرث الهاوية” فكان هذا اللقاء معه للحديث عن إصداره وعن الشعر وعن مشروعه “صبا الصوت”

. 1 – بدأت كتابة الشعر من قصائد بعيدة المسافة زمنيا. وها أنت تسمي أول دواوينك بالمسودة ..ألا زلت متردداً بخصوص إصدارك الشعري الأول حتى بعد طبعك له؟
المسودةُ أصدقُ دائماً من النسخةِ النهائية، فهي تقدم الارتباك الطبيعي للكائن، التناقض الظاهر جداً، تقدم ما لم يكتمل، ما لا يسعُ الشاعرُ قوله فيمدُّ به يديه حائراً. أنا مولعٌ بعدم الاكتمال، أشعر أنه أريدَ لنا أن نكونَ كذلك على هذه الأرض، وانطلاقاً من هذه الطبيعةِ المنقوصةِ للأشياء، ربما يغدو عدم الاكتمالِ يقيناً، وأنا لم أتردد أبداً بشأن الإصدار الشعري، فأنا مؤمنٌ أن الكتابةَ هي حالةٌ من اللايقين الذي يُبقي الكاتب طموحاً للمزيد، أي للوصولِ يوماً ما، وهو في حقيقةِ الأمر، لن يصل، لكن لا بأس بأن يخلق الإنسان لنفسه – حتى لو لم يكن كاتباً- هذا السياق، ويسير فيه مُختاراً، لأن المُنجز الشخصي حينها يتحولُ لإنجازٍ جديرٍ بالتأثير على العالم بأسره.

2 – تتحدث في ديوانك الأول عن السقوط داخل النص بل تذهب بعيدا وتقول أنه تاريخ السقوط ..أنت المأخوذ بالسقوط في الهاوية ومن ثمة حرثها ..هنالك من يقول أنه زمن السقوط الشعري..هل هو كذلك ؟ وهل أنت ساقط شعريا في هاوية شعرية لا يقترب منها شاعر؟
السقوطُ إلى داخل النص، هو محاولة، دعيني أقل، غير عاطفية، لإثارة تساؤلات وجودية يهمني أن أجد لها صدى خارج نفسي، ربما أطرح أسئلتي على الأشجار والجبال، وهي تساؤلات مشروعةٌ حينما نتحدث عن حراثة الهاوية، فللجميعِ إرثٌ فيها، وتاريخ السقوط بالنسبة لي هو تاريخ البشرية الذي بدأ بسقوط آدم من الجنة.
٣ – وأنا أقرأ ديوانك أحسست أنني أقرأ لطبيب نفسي شعري ؟؟أو فيلسوف شعري ؟لربما مريض نفسي شعري أيضا؟ ؟؟
قد أكون كلَّ هذا في أحوالٍ مختلفة، لكن ما أنا أكيدٌ منه، أنني لا أحترفه، ولا أنوي ذلك، أنا فقط أحرثُ الهاوية، وأمسح عرقي.

٤ – هل تراهن على الشعر كداء أم دواء أم لقاح؟؟
أنا لا أراهن أبداً، لو فتشت كتابي كله، لن تجدي كلمة رهان، ولا حتى أحد مشتقاتها، أما لو أصررتِ، فالشعر حياة، أكبر من احتمالية رهاني بكثير، وهو خطر بخطورةِ احتمالاته، قد يخذلني يوماً، ويجف في عروقي، فهو مادة طبيعية أعتبرها من مواردي الحسية من أجل الاستمتاع وتذوق الوجود. لذا، أنا لا أراهن، لأنني لستُ متأكداً من شئ.

٥ – كأن نصّك الشعري تنظير لعلم الشعر الحديث؟؟
نعم، تنظير تخريبي جداُ، أتمنى أن تُفني نظرياتي علم الشعر الحديث، وتكبُّه في الزبالة، لأنه لا يُفترض بمثل هذا العلم أن يوجد.

٦ – تبحث عن تفاسير متعددة لمفاهيم كثيرة جدا داخل نصّك ..هل تحمّل القصيدة أكثر مم تحتمله أنت؟؟
القصيدة أنثاي الباقية لي أبداً، المخبوءة في دمي، والشهامة تقتضي ألا أحملها أكثر مما أحتمله أنا، لكن المتعة تقتضي أحياناً أن أفعل.

٧-هل نسمي ديوانك “يحرث الهاوية”منجزاً شعرّيا؟
لا، ليس شرطاً، يمكنك – إذا شئتِ – أن تسميه حقيبة إسعافات أولية، أو متحفاً للغربان التي أهوى اصطيادها وتحنيطها، وتلوين مناقيرها بالأحمر، أو يمكنك إذا – حكمت الضرورة – أن تسميه تجربة علاقة جنسية للمرة الأولى.

٩ – كأنك في ديوانك الأول تشير غير ما مرة إلى مشاكل معيّنة مع اللغة؟
نعم، لدي مشاكل مع اللغة، تقتلني دائماً ولا أردُّ عليها حتى بأن أموت، وهذا لأنني خجول جداً، كما أنني لا أحتمل عجزهاً أحياناً، وربما أفلح في وضع حدٍ لانتهاكاتها عن طريق التمثيل الصوتي الذي أمارسه، بتعابيره ونبرته التكميلية للكلمات، وأنا أحياناً أشفق على اللغة من صوتي، قد لا تستطيعُ هيَ احتماله، وهذا يُعذبني، لأنني أحبُّ اللغة ولا أطيقُ ما أفعله بها.

١٠ – محمد الشموتي ، هل هو مصاب بتوحد شعري؟
ما رأيك أنت؟ لن يستطيع مريض التوحد أبداً أن يعرف أنه مصاب به، ما لم يخبره أحد بذلك، ويشترط أن يكون أحداً يثق في كلامه ويؤمن به كنبي.

١١ – كثير من الشعراء ماتوا منتحرين ،أليس هذا خيرا من قتل شاعر لنفسه يوميا كما تفعل أنت؟
الذين انتحروا، توقفت قدرتهم عن الحياة، ولا زلت أرى الفجيعة المهولة ترتسم على أوجه الكلمات التي أخذوها معهم دون أن يقولوها، لذا قد أكون وجدت حلاً، بأن أموت كل يومٍ، كي أحيا قليلاً.

١٢ – هل قصائدك تصبّ في يوتبيا إيروتيكة كما ينبغي لها؟
لا ينبغي لقصائدي الأيروتيكية إلا أن تصبَّ في المكان الوحيد المناسب لها، الجسد الضدّ، الذي يطيب لي دائماً أن أختلف معه في الود، كي لا نخسر للشعر قضية.

١٣ – هل أنت شاعر سادي أم لئيم أم متذاكي؟
أنا الاختيار رقم 4.

١٥ – مالذي يستحق أن تضعه في آخر سطر من ديوانك ؟
يقول الناشر بريدك الإلكتروني، أما أنا فلم أقرر بعد، سأفعل ربما في كتابي الخامس أو السادس.

١٦- لننتقل للحديث عن مشروع “صبا الصوت” ،كيف تُعرّف به في سنته الثانية؟

أعلى قليلاً من صليل الأسلحة، وأكثر إدهاشاً مما كنتُ أعتقد، أخيراً أصبح للصوت في حياتي تأثيراً أبعد من ارتداد صداه على جدران الحمَّام عندما كنت طفلاً، وكنت أقرأ القرآن وأنشد الشعر هناك، لأنه كان المكان الوحيد الذي يُشعرني بجمال صوتي آنذاك.
صبا الصوت مشروع جبار، ويسير بثقة وتمكنٍ في سنته الثانية، ومُنتجه النهائي سيكون مُدهشاً على المستوى المعرفي، والإبداعي.

١٧ – لكن المشاريع الإبداعية لا تدر الربح كثيرا؟أم أنك في “صبا الصوت” قد تتنازل وتسجل مالست مقتنعا به لتتمكن من تسجيل ما أنت مقتنع به؟

المشاريع الإبداعية التي لا تُدر ربحاً، هي التي تبقى مرهونة بوسطٍ ثقافي ونخبوي لا يجب أن ترتهن به، أو تقتصر عليه، في رأيي أن المشاريع الثقافية لكي تكون مُربحة، يجب فصل الجانب الإبداعي والطبيعة المعرفية لها، و معاملتها كمُنتج تجاري، بقوانين السوق، لا بقوانين الإبداع، وأنا في هذا الأمر جاد جداً، وأحاول مع فريق العمل الرائع في صبا الصوت، أن نتجاوز نخبوية الثقافة والمعرفة، لنقدمها في النهاية كمُنتج، يُعامل بمنطق السوق، وقوانين التجارة، وأن نبتعد عن ارستقراطية الإبداع، عندها قد ننجح في جعل مشروع إبداعي، مشروع تجاري أيضاً، مع المحافظة على الجوهر والقيمة، وتقديمهما في موكب لائق، وضمان الاستمرار في الوقت نفسه عن طريق العوائد المادية.

١٩ – ما إصدارات “صبا الشعر” الان؟
في صبا الصوت هناك دواوين شعرية قيد الإنتاج، وكتب مسموعة قيد الإنتاج، وكلاهما سيرى النور قريباً، ثمة مفاجآت وأسماء جديرة بالاحتفاء، وأفضل أن نعلن أسماء الإصدارات وقت صدورها بالفعل.