إلى دخيل الحارثي: أتيتُ صديقي وقبل أن آتي مضيتُ

أتيتُ صديقي، وقبلَ أن آتي مضيتُ.
تأخرَ صمتي كثيراً عن موعدِ الصوتِ
تعلمتُ كيفَ أكونُ وليداً في قماطٍ
من الماضي.

لم أعد أحداً تماماً.فدعني قليلاً
صديقي، أرَجِّي المشاعرَ أن تستفيق.
ودعني كثيراً ، أعيدُ صياغةَ وجهي
بما يتناسبُ مع معطياتِ الحداثةِ
أو واجباتِ الصداقةِ.

أتيتُ إليكَ، تعالَ إليََّ هنا
ودعني أمارسُ مزجَ العناصر وفقَ
مزاجِ التكون. ودعني أمارسُ نزقَ
كتابةِ غيري وفقَ التلبسِ بالحلمِ.

أتيتكَ أحملُ همَّ ثلاث سنين.
وبعضَ المعاني عن الفقدِ والموتِ
فلا تترفق بقلبي، وتتلو عليَّ حديثاً جميلاً
كقلبك، وقل لي: إذا لم أكن حياً ولا ميتاً،
فماذا أنا ؟

ستقولُ لكَ أعضائي أنني قادمٌ من الهمِّ،
لكنهم لم يشهدوا ذلك اليوم.
فقد كنتُ وحيداً يا صديقي.
وكانَ الماضي يتواجدُ بروحهِ في
ثنايا المكان.

عموماً، لعلك تلاحظُ أني فقدتُ الإيقاع.
لقد كان ذلك منذ زمنٍ ليس بالبعيد.
ولم يعد في استمرارية كلامي ما يُتيحُ الشعرَ
للآخرين. لذا سأحاول تجنب الوقوع في
فخ الكتابة، وسأنَحينِي جانباً، وأستفيدُ من
الأصدقاء أمثالك.
فمثلما ترى، لقد أصبحتُ عصياً بعض الشئ
على التكشف. وعلى التأثر.

أصبحتُ متجاوزاً العبورَ إلى التلاشي.
كما أن أكذوباتي لم تنل إقناعاً لدى من كذبتُ عليهم كطفل،
فحملوني مسؤولية ذلكَ كرجل.

أظنني أتحملُ أفظع الخيبات الذاتية التي صادفتني في حياتي.

صديقي. شكراً لتذكركَ إيايَ حينَ ترجل حلمك.
سأحلمُ من جديدٍ لأجلك. رغمَ الأيام. ألن تفعلَ لأجلي؟

تعلم..

لألقي الحجارة من يدي،
وحتى تُظلل أفياءنا ساقية.
حتى تُظلل أفياءنا ساقية.
حتى تُظلل أفياءنا ساقية.

تجاوز ضريح لغوي

هُنا يرقدُ شخصٌ ما على وشكِ الموت.

إنه لم يمت، لكنه يوشك أن يفعل. إنه ليسَ مَريضاً، إذا اعتبرنا أن بعضَ بقعٍ جلديةٍ لا تُسببُ الموتَ هذه الأيام. وهوَ أيضاً لا ينوي الانتحار، فالانتحارُ بصقةٌ في وجهِ الخالقِ، وهوَ يحترمُ خالقه جداً، أيضاً فهو لا يركبُ سيارةً تطيرُ بسرعةِ مائتي كيلومتر في الساعة على طريقٍ يؤدي إلى مُنحدر، ولا يقفُ على بنايةٍ يُحتملُ أن تسقطَ هذهِ اللحظة، وهوَ ليسَ في بلدٍ يمتلئُ بالإرهابين، وليس على قائمةِ المطلوبين للخطفِ هذهِ الأيام. لو كنتم تتخيلون ما أعني، فهو في أمانٍ تامٍ هذه اللحظة، لكنه مع ذلكَ على وشكِ الموت.

لا أدري هل يتحكمُ في الأمرِ كما يبدو لي، أم أن قضيته الآن خارج إرادته؟

يبدو أنه قرَّرَ الانتهاء مُنذُ زمنٍ ما. أن يُقرِّرَ إنسانٌ أن يَنتهي، فذلك بالنسبةِ له أعظمُ شئٍ يمكن أن يفعله شخصٌ لم يخترْ قدرَ ابتدائه. لكنه معَ ذلكَ لا يريدُ أن يَنتحر، إنه فقط على وشكِ الموت.

ألحَّ في ذهنهِ سؤالٌ عن قدراتِ الإنسان. تَذكَّرَ تلك القرية في مجاهيلِ استراليا، حيثُ يُنفذُ الجاني حُكمَ الإعدامِ بنفسهِ عن طريقِ تدميرِ أعضائهِ الداخلية بقوةِ التركيز. إذن هناكَ من يموت بمجرد الرغبة في ذلك. اطمئن كثيراً وشعرَ بالأمل.
تناولَ ورقةً بيضاءَ، وقلماً رَصاصاً، ثم كتبَ بخطٍ أنيق: الحياةُ الآن = صفر.

***

في المطبخ، أعدَّ بعض الشاي، لم يكن ثمة نعناع طازج، لذلك اضطر لاستخدامِ بعض النعناع المجفف، لا بأس، فهذا يُرضيه أيضاً. رغبَ أن يُشعلَ سيجارةً، لكنه تذكَّرَ أنه لا يُدخن.
قلبَ في أوراقهِ القديمة، لم يجد لديهِ رغبةٌ في التذكرِ، ولا في الحزن.
تناول الورقةَ والقلم مرةً أخرى، وكتب: الحياةُ الآن احتمالاتٌ متساوية.

***
فتحَ نافذة الغرفة، تنفس رائحةَ الفجرِ وهو يمتلئ بموسيقى هانز زيمر التي تزلزلُ الصمت من حوله، حرَّكَ يده كمايسترو منتشي، غرقَ عميقاً في ضبابٍ حجبَ عنه الرؤية. تلفتَ حوله، وإذا به يرى الصوت، والروح، والملائكة وهي تصعدُ إلى السماء، كان يرى حتى نسائم الفجر التي تتسللُ من نافذةِ الغرفةِ إلى قلبه. أخيراً ارتوت حواسه بعد جفافٍ دامَ طويلاً مُنذُ موته الأخير.
بحث عن الورقةِ سريعاً، وكتبَ عليها: الحياةُ الآن حقيقةٌ بخلافِ العادة.

قطة الله – إلى ساكنة الشرفة

” إلى ساكنةِ الشُّرفةِ، نهال عمران”

قطةُ اللهِ ماتَ اليقينُ على جَسدِها الأملس، وإيمانُها نحلَ كَشَعْرِهَا، ولم تعد تأكلُ خبزَ الإلهِ المُفتَّتِ في الشرفةِ،
أو تتناولْ حليبَ المساءِ منذُ خَبا نورُ عينيها، وانطفأ في ناظريها المساء.

قطةُ اللهِ استنكرت قَدَرهَا، رَكَلت رِزقَها غَاضِبةً، فَباركَ رَبُّها ثَورَتَها، كما باركَ دوماً إيمانَها.

– لا،
لَم أعدْ قطةً.
صَاحتْ.
-سأصبحُ نَسراً.
وقفزت دونَ جناحينِ، فاغتالتها خِفَّةُ الهواءِ، جَرحَت قَولَها سَقطةٌ في الفراغِ.

-لا،
بل سأصبحُ غولاً،
وتَلفتت حَولَها، فلم يَنبُت لها شَعرٌ ولا أطرافُها استطالت رَماديةً، وبَصرُها لم يُضئ بالوجود.

-سأصبحُ عنقاءَ.
قالت،
فقَدحَت بصيرَتُها شَرَرَاً، أضاءَ الجحيمُ وهيَ تتناثرُ
سُخطاً، تُغنِّي:
أنا العنقاءُ
أخطِفُ أطفالَ الحكاياتِ،
أقصفُ وردَ النَّدَى بالحجَارةِ،
أسطو على الكهفِ المقدسِ،
أقتفي أثراً من التاريخِ،
أقتفي مَجداً مِنَ الْخُلدِ،
أطيرُ أطيرُ، وعندَما أخبو
رويداً رويداً، مثلَ جفافِ
إناء الحليبِ، مثلَ نُحولِ
جِلدِي الخريفي، مثلَ ضُمورِ
بصري، سأتناثرُ لعنةً
في محيطِ وجودِ الحياة.

-لماذا إلهي؟
تَساءلتْ قطةُ اللهِ فِي حُزنٍ كئيبٍ، كَعَمى عَينِها عن رؤيةِ
الدربِ الطويلِ.

– لماذا ياربِّ ؟!
ظننتُ بأنَّ الحياةَ كرحلةِ حلمٍ مُلونةً لا أفيقُ منها إلا لموعدٍ في التراب، حَلمتُ بأنَّ يمينكَ تمتدُّ نحوي، تُمسِّدُ عينيَّ باليقينِ كيما أظلَّ على قيدِ آثارِكَ، كرهتُ حواسِّي يتيمةَ العينين.

في كلِّ مَساءٍ، كنتُ أؤمنُ أنكَ ربي وربَّ زهورِ الحديقةِ، كان سيكفي إيماني الصغير، فلماذا تركتَ الشظايا تُحملقُ
في يانعاتِ يقيني، وتقصفُ دربي.
لماذا أطفأتَ شعلةَ إيماني عندَ هبوبِ الرياحِ الجنوبيةِ صوبَ فؤادي؟
أعندمَا أبصَرتُ مَجدكَ، تأمرُ البرودةَ تضربُ روحي،
وتقطفُ عيني، وأنتَ تعرفُ أن دمي يتجمدُ مثلَ بحيرةٍ في قُطبِ الأرض ؟!

***
أنا أؤمنُ أنكَ ربٌ كريم وجيد. وأنكَ تعلمُ ما يعتريني من
الخوفِ والشكِّ، وأن وُجودكَ حقٌ لأن وجوديَ حق.
وما دامَ حسي يعانقُ كونَ وجودي، فأنتَ الوجود .
***
هنا قطتكَ، كنتُ للتوِّ أمسِّدُ جسدي بانتظارِ إناءِ حليبكَ،
وقطعةِ خبزٍ تعلمني كيفَ أشكرُ فضلكَ. ولكن الظلامَ
انتشر، وخبزُ المساءِ جاءَ ليجرحني عندما ضللتُ الطريقَ إليه،وكانَ الحليبُ سراباً من الماءِ لم أبُصر سيولةَ معناه.

وعندما أهلكني الجوعُ، كانَ جُوعِي إليكَ، رغبتُ، ظننتُ،
وخفتُ من الانتظارِ طويلاً. وها أنا أكتبُ حالي إليكَ،
فلا تتأخر كثيراً إلهي.

***
والآن،
قطةُ اللهِ تغدو سريعاً إلى الشرفةِ قبلَ مجئِ الإلهِ إليها، تقودُ خُطاها بنورِ البصيرةِ، تُشعلُ حواسَّ الخيالِ كي يضئَ الطريق.

قطةُ اللهِ تجلسُ في المساء، تعبدُ الصمتَ من حولها،
ليأتي الإلهُ فيحنو على قَلبِها، قطةُ اللهِ تعرفُ الآنَ
مَا دربُهَا.