الغريزة الاجتماعية صنعت شركة بقيمة 100 مليار دولار

هل جربت أن تقرأ شيئاً كتبته على صفحتك في فيسبوك قبل سنة من الآن؟ ألا زال يحتفظ بإفادته المعلوماتية، أو عمقه الفكري؟أمر آخر، ألا زال مرحاً على سبيل المثال؟

شبكات التواصل الاجتماعي لا تربطنا ببعضنا فقط، إنما تصنع أيضاً لكل واحدٍ منا أرشيفه الخاص، تقلباته المزاجية، رأيه في أحداث عابرة، مستوى وعيه وعمقه الفكري، اهتماماته المختلفة، صفحاتنا الشخصية على شبكات التواصل تُعد بمثابة تأريخ وتوثيق لأحداث حياتنا، خاصة من تعود على استخدامها منذ نشأتها، لابد وأن لديه أرشيف متكامل الآن، يمكن من خلاله التعرف عليه تماماً.
شبكات التواصل الاجتماعي ومن أهمها فيسبوك هي امتداد تاريخي وتوسعٌ عملاق لتطور المعرفة الإنسانية، وطريقة تبادل المعلومات والتواصل بين البشر. والمعرفةُ إرثٌ إنساني، استفادَ منه من كَتبَ، واستفادَ لاحقاً من يقرأ. والمعرفةُ بدأت منذ علمَ الله آدمَ الأسماء، والأسماء تعني اللغة، أي الأداةُ الأولى للتواصل، أصلُ المعرفة التي سَمحت للإنسانِ أن يتطور ويتواصل، لأنَ التطورَ مَبنيٌ على التفاعل بين مجموعِ الأفراد الذين يتواصلون مع بعضهم البعض، مُنتجين للأفكار، ومُتأثرين بالطبيعةِ من حولهم، وبالمواقف والأحداث.
تخيلوا عالماً بدون لغة، أي أن الأفكار التي تدور في رأسك لن تستطيعَ إيصالها للآخرين. كم هو مُفزعٌ هذا التصور. جرب تحريك لسانك الآن، تفقد حركته، هل يتحرك؟ تأكد أنه يعمل، انطق بعض الكلمات بصوتٍ مسموع، هل تسمعُ صوتك؟ هذه هي اللغة. هل تفهمُ ما تقول؟ هذا هو العقل. هل تُعالجُ الكلمات وتتصورها دون إرادة أو قصد؟؟ هذا هو التفكير. هل تتصورُ مشاهد وتخلق أحداثاً دون أن تسمع كلمات تحرضك على تصورها؟ هذا هو الخيال. هل يُمكنك اختلاق كلماتٍ لوصفِ كل ما سبق؟ هذه هي الكتابة.
والكتابة تصيغ المعرفة
من يُفكر فُينتج، من يَشعرُ فيُبدع،، فإنما نتجَ ذلك عن تفاعله مع كلِّ ما حوله من ظواهر اجتماعية، وتياراتٍ فكرية، وسلوكيات إنسانية عامة. إن وعي الفرد يتشكلُ من الآخرين، ويتأثرُ بهم، ويتصفُ بصفاتهم، لذلك فهو متكامل معهم، ومَدينٌ لهم أيضاً، هذا يعني أنك مدين لأصدقائك في فيسبوك، فلولا وجودهم لما استطعت تكوين معرفتك الخاصة، وأنت مدين لمتابعيك على توتير، فلولاهم لما وجدت من تكتب إليه.
إن الإنسان في عزِّ فرديته وعُزلته، لهو كائنٌ اجتماعيٌ أصيل، على عكس أولئك الذين لم يستطيعوا أن يحققوا فرديتهم الذاتية، فأصبحوا كائنات اجتماعية فقط، لكنهم على المستوى الشخصي، ليسوا أفراداً مُحققين لذواتهم. وكم هو جميل أن أصبح لدينا عوالم اجتماعية رقمية مثل فيسبوك يمكن للأشخاص أن يتحققوا ذاتياً واجتماعياً من خلالها، إنها رفاهية التطور التقني، وعمق فلسفته في الوقت ذاته.
كيف توافد المشتركين من كل أنحاء العالم ليشكلوا مجتمعات ضخمة مثل فيسبوك وتويتر؟ ما هي الغريزة التي دفعتهم إلى ذلك؟
إنها الغريزة الاجتماعية، التي تُعتبر رأس المال الحقيقي لمارك زوكربيرج، إنه يعرف ذلك، ويعترف أن مستخدمي الشبكة هم رأس ماله.
رغبة الاتحادُ والاجتماع صفةٌ كونية، فحتى الكتل الصغيرةُ في الفضاء تنجذبُ لبعضها لتُكَوِّنَ كُتلاً أكبر، وتظلُّ تكبر حتى تستضيفها جاذبيةُ كوكبٍ عملاق، فتصطدم به متناثرةً على سطحهِ شظايا ومعادن وموادَ لا تلبثُ إلا وتصبح جزءً منه.

تقنية الكاتب في ثلاث عشرة أطروحة

 

  1. على من يعتزمُ كتابةَ عملٍ ضخم، أن يتمهلَ، وألا يضنَّ على نفسه؛ فورَ أن يكتملَ الواجبُ الكتابي الثقيل، بكلِّ ما لا يعوقُ استمرارَ العمل.
  2. تحدَّث إذا شئتَ عمَّا اكتمل، لكن لا تقرأ أيَّ مقطعٍ منه للآخرينَ أثناء استمرارِ العمل، فكلُّ شعورٍ بالرضا ستناله بهذه الطريقة سيبطئُ من إيقاعك. وباتباعِ هذا النظام ستصبحُ رغبةُ التواصل التي تتصاعدُ دونَ توقفٍ دافعاً على إنجازِ العمل في نهايةِ المطاف.
  3. حاول أن تتجنبَ؛ في ظروفِ عملكَ، ابتذالَ الحياةِ اليومية، فشبه الاسترخاء على خلفيةٍ من الأصواتِ التافهة؛ يحطُّ من قدرِ المرء. وعلى النقيضِ؛ فإنَّ مُصاحبةَ دراسةٍ موسيقيةٍ أو أصواتٍ مُشوشةٍ يُمكنُ أن تُصبحَ من الأهميةِ للعمل قدرَ أهميةِ سُكونِ الليلِ المحسوس. وإذا كانَ هذا الأخير يُرهفُ الآذانَ الداخلية، فإنَّ تلكَ الأولى تُصبحُ الحجرَ السحري لأسلوبٍ يكونُ من الثراءِ بحيثُ تنطمرُ فيهِ حتى الضوضاء الغريبة.
  4. تجنب استخدامَ أيِّ أدواتٍ كتابيةٍ دونَ تمييز. فالتعلُّقُ الحواذي بأنواعٍ معينةٍ من الأوراقِ والأقلامِ، والأحبار، أمرٌ مُفيد. وما لا غنى عنه هنا ليسَ فخامةُ هذه الأدوات، بل وفرتُها. *
  5. لا تدع أية فكرةٍ تمرُّ مجهولةً، واحتفظ بمفكرةِ مُلاحظاتك بنفسِ الصرامةِ التي تحتفظُ بها السُلطات بسجلِ الأجانب.
  6. اجعل قلمكَ يترفعُ عن الإلهام، وسوفَ يجذبهُ نحوهَ بقوةٍ مغناطيس. وبقدرِ ما تُتيحُ من التأني في تسجيلِ فكرةٍ عرضت لك؛ بقدرِ ما تكونُ أشدَّ نُضجاً حينَ تُسلمُ نفسها إليك عن طيبِ خاطر. الكلامُ يهزمُ الفكرة، لكنَّ الكتابةَ تُسيطرُ عليها بمهارة.
  7. لا تتوقف أبداً عن الكتابة لأنَّ الأفكار فرغت منك، فالشرفُ الأدبي يُملي عليكَ ألا تقطعَ الكتابةَ إلا لاحترامِ توقيتٍ مُعينٍ ( كوجبةِ طعامٍ، أو موعدٍ هام ) أو حينَ يكتملُ العمل.
  8. املأ فترات انقطاع الإلهام بنسخِ وتبييضِ ما انتهيتَ منه فعلاً، وسوفَ يصحو الإلهامُ في هذه الأثناء.
  9. لا يومَ بدون سطر. سجل على الأقل فكرةً كل يوم، ولا في سطرٍ واحد.
  10. لا تعتبر أيَّ عملٍ مُكتملاً أبداً ما لم تنكبَّ على العملِ فيه مرةً من المساءِ حتى صباح اليوم التالي.
  11. لا تكتب خاتمةَ عملٍ ما في الغرفةِ التي تعملُ بها عادةً، فلن تواتيكَ هناكَ الشجاعةُ الكافية لختمه.
  12. مراحلُ التأليف هي: 1) الفكرة. 2) الأسلوب. 3) الكتابة. ويتمثلُ معنى النسخة المضبوطة في أنها أثناءَ العمل الذي تتطلبه، تُوجِّهُ الانتباهَ إلى الخطِّ وحده. الفكرةُ تقتلُ الإلهام، والأسلوبُ يُقيدُ الفكرة، والكتابةُ تُعوِّضُ الأسلوب.
  13. العملُ هو القناعُ الجنائزي للفكرةِ الأصلية.

ـــ

  • يُمكن تطبيق هذه التوجيهات القيمة في سياق التقنيات الحديثة، باستبدال: الأقلام بلوحة مفاتيح الكتابة في الكمبيوتر، والأحبار، بنوعية الخط، وحجمه، ونوع المُحرر النصي الذي يستخدمه الكاتب، الاستقرار على نوعٍ محدد، وتنسيقاتٍ معينة، مُفيدٌ للكاتب، والتعود الناتج عن الاستقرار يجعلُ من الكتابة حرفةً أصيلةً لدى الكاتب، على عكسِ الفوضى في استخدام الأدوات المُساعدة.
  • من كتاب: شارع ذو اتجاه واحد لفالتر بنيامين

قِياسُ الهاويةِ بآلةِ الكلام

I

القدمُ:
سبعُ خُطواتٍ إلى الوراء،
سبعُ أفكارٍ تسبقُ المعنى،
خُطوتانِ إلى الأمام،
عُمرٌ كاملٌ من الكتابةِ،
للوصول.

باطنُ القدمِ:
تأملُ اللهِ في شرقِ البحيرة،
المشيُّ على آثارِه باتجاهِ الداخل.
الغرقُ.

الروحُ:
عُريٌّ لا يَشِفُّ،
تَعرٍ لا يَفضحُ،
هُلامٌ للمادةِ، مَادةٌ للهلامِ،
شبقٌ للقاءِ الغريبةِ.
الشَّرودُ.

الجسدُ:
شَهوةٌ للغريبةِ،
السيرُ عارياً نحوَ البعيدةِ،
امتطاءُ الوَحْشَةِ ليلاً.

دَمٌ للعشبِ،
عُشبٌ ينبتُ في صَدري،
تتوسَّدُهُ القريبةُ،
البعيدةُ
الغريبةُ.

II

وَلَدْتُ نفسي في كهفٍ مُظلمٍ،
فنَمَتْ حَواسِّي في العتمة.
تعلمتُ أن ألمسَ وُجودي،
كي أكونه.

تقتربُ الحقيقةُ مِن دَمي،
في لقاءِ الغابةِ بالليلِ
أسفلَ الشجرةِ كُلَّما
وُلدَ معنىً جديد.

III

أتعوَّدُ الشعرَ،
تلتقي ضِفَّتانِ في آخرِ الليلِ،
في أوَّلِ الأنثى، في عبورِ القصيدةِ
قَمراً يَنزُّ برغبةٍ فِضيةٍ، أو نَهراً مَوجوعَ
البَللِ، أو نَهداً قُدسيَّ الشَبقِ.

الخيالُ الْمُشعُّ للحِكمَةِ،
خيالُ الكلمةِ،
نورُ الظَّلمةِ، ودليلُ الْحُلكَة
الباهرة.

IV

مَنذورٌ للريحِ، ولحلمِ النارِ الصاعدة،
مَنذورٌ لهواجسِ الغريبةِ، لِخوفِ العذراءِ،
للعواءِ، ولِحفلاتِ الأنينِ الجماعيةِ
تُنظمها الحياةُ، ويَرعاها الوجود.

مَنذورٌ للهاويةِ.
السقوطُ إلى العدمِ الْمُمِضِّ،
أن يَطأَ الإنسانُ عَدمَه خارجَ
سياقهِ، من أجلِ كينونةٍ أخرى.
V

دُخانٌ يتكوَّرُ على نفسهِ، ويَخلُقني.
يدُ اللهِ تحيطُ بي وأنا على هيئةِ ذَرَّةٍ، وتَخلقني.
قَصيدةٌ نافرةٌ في دَمي، تتشظَّى فيَّ، وتَخْلُقني.
كَونٌ يتمَدَّدُ في ذاكرتي، ويَخلقني.
ذاكرتي مُمتَدَّةٌ مُنذُ خلقتُ،
ذَاكرتي قُرصٌ ممغنطٌ
لا تنتهي قدرته على التسجيل.

صَوتيَ مَلعونٌ،
صَوتيَ أفولُ الليلِ،
وخَاتمةُ اللحنِ الضائع.

VI

مُصابٌ بلعنةِ التحوُّل.
قَدري مُخبَّأٌ في وَشمٍ
على هَيئةِ ثُعبانٍ أسطوري،
مَرسومٍ فوقَ عانةِ غجريةٍ حسناء.

VII

مَطعونٌ بالمجازِ،
أواجهُ الاسفلت بقناعٍ
يحجبُ عن الآخرينَ رؤيتي
كاملاً،
فأكونُ النقصَ في نظرتهم،
الضعفَ في توَّهُمهم للقوة،
الانحلالَ في تظاهرةِ الفضيلة،
أكونُ المعنى الزائدَ عن حاجتهم،
لأنني بكلِّ كلماتي، لا يحتاجني
أحدٌ سوايَ.

VIII

مَوتي حياةُ الكلمة،
والكلمةُ دليلي نحوَ الأبد.

أحكي تاريخَ الرعشةِ
طوالَ الوقت.
لحظاتي قُربانٌ للضجرِ
كي يَدعَني أخوضُ الموتَ
بسعادةٍ بالغة.

أموتُ كلَّ يومٍ، كي
أحيا قليلاً.

تَحضُّري مثاليةٌ تربويةٌ،
ولُغتي أسلوبٌ غيرُ محايد
لتناولِ الحياة.

مَا الحِيادُ؟
أن تظلَّ على قيدِ
لا شئَ. أن تقفَ
على الحافةِ، ولا تسقطُ.

ما الأملُ؟
أكبرُ داعرٍ يُقيمُ فينا،
ونستطيبُ مُقامَهُ.

ما الخداعُ؟
فضيلةُ هذا الزمان.

IX

أغوصُ في عمقِ دوامةٍ رملية.

أجيدُ تقشيرَ البرتقال.

مُذنبٌ بحالةٍ جيدة.

متوقفٌ عن النبض.

صامتٌ كمقبرة.

مُجرمٌ، بانتظارِ جريمة.

إنسانٌ يحبُّ ظلَّه في الأرض، ويحميه من الشمس.

حارسُ الهاوية سادنُ الخواء،
مَعاً ضدَّ العالم.
ضدَّ الوقُوعِ ضَحَايَا لِمَا هُوَ حَتمِيٌّ.

X

هَاويةٌ تتنفسُ دُونَ عُمقٍ،
لاَ قَرارَ لها.
لا جبالَ تقطعها،
لا وديانَ تتيه فيها كي تصلَ إليها،
إنها تصلُ إليك.

حديث ليلة عارية: تكوير الوجع

تكويرُ الوجع

ورثتُ عن الراسخينَ عيناً يختبئُ انفعالها خلف نظرةٍ ثلجية، ورثتُ عنهم بعض الكلماتِ التي أخاطبُ بها سريرتي فأثبتُ عند البلاء، وألعن في داخلي كل شئٍ دونَ أن تُنبئ شفاهي عمَّا أقول. لم أدهن جسدي بالزبدِ، ولم أشرب من أي ماءٍ مقدس، ولم يحالفني الحظ لمضاجعة أنثى يفوق شبقُها ماءَ جسدي، لقد توجتني كلماتي أميراً للخراب، وأسلمتني أيامي إلى الهاوية.

هذه ليلةٌ ملعونة. إنها ليلة ميلادي، حيثُ انبعثَ في داخِلي رمادُ الطفولةِ، لكنه لم يتجدد، وأنا لا أستطيعُ الهربَ إلا كتابةً.
ها أنا ذا ليلاً. خلف الشاشةِ وحدي، مُتربصاً. لا أدري ما الذي أفعله بليلٍ ثريٍ كهذا؟

لو كانت لدي تلك الأنثى البعيدة عني، المطلة على نافذةِ محادثاتي، لاقترفتُ الآثامَ كلها، الغضب، والشبق . ما أبدعَ الشبق.

أنا ما امتلكتُ وجودي بعد، لم أشعر بحقيقةِ الوجودِ يوماً، لم أشعر بنشوةِ الحياةِ إلا وأنا أفضُّ بكارةَ ورقةٍ بيضاء، ثم أتأملها منتشياً، أما الواقع، فقد تعثر بالفعل الإباحي الردئِ الذي أرخى سدوله على كل شئ. لقد انزلقت أيامي إلى زمنٍ أقفُ على بوابته عالقاً، دون أن أتمكن يوماً من الرحيل.

الليلُ الذي يفورُ في داخلي الآن، ويختلطُ بدمي صبغَ كل شئٍ برائحةِ شهوة، وليس ثمة رائحة أخرى طاغية غير رائحة الشهوة التي تزكم الأنوف، وتستثيرُ أخيلتي.

***
 

أوه يا صديقتي، هذا ليس حباً كما تتصورين، في الحقيقةِ أنا لا يعنيني الحب، هه، لماذا؟ لأنه لا يتضمنُ أي أنثى تستطيع أن تدبغ جسدي بمائها، ولا حتى أنتِ، فأنتِ خجولةٌ بما يكفي لإفسادِ أكثر خيالاتي احتشاماً.
اصمتي، أعلمُ ما تقولين. الحبُّ شعور أسمى من آثام الجسد. كلا يا صديقتي لقد مضى عهد الفضائلِ التي تعرفينها، وهذا زمنٌ ملعونٌ. خيبةُ الأملِ شعورٌ وطني، والمعاني الشعرية في نشيدِ الوطن تلاشت من القاموس، والأغاني لم تعد تغنيها الحناجر، بل أجهزة المونتاج، وتلك الأدوات التي بإمكان المرء استخدامها في مضاجعة نفسه انتشرت في كل مكان، ويمكن طلبها بالهاتف.

حسناً حسناً، لا تقولي الآن تصبح على خير حمودي، لا تقولي ذلك، إني لأنتظركِ منهوماً، وهذه ليلةُ ميلادي، لو كنتِ هنا، سيُحرق هواء تنفسكِ رئتيَّ، وسأمتصُّ الليلَ كقطعٍ من سكر المكعبات.
آه يا صديقتي، جنونٌ أن يكتبَ المرءُ في ليلةِ ميلاده، أحلمُ الآن بنومةٍ سكرى على رمالِ شاطئك، فلمن أقدمني، ولمن أدفعُ كي يُرسلني إليكِ في شُعاعٍ ضوئي؟


تباً. يبلغُ بيَ الشعورُ عميقاً بأنني مُهْمَل. يتيمُ الحكمة وقدري التمرد. ولدتني أمي عقاباً لي. عائشٌ في كلِ شئٍ ممنوع، نافرٌ من كلِ شئٍ مباح. هل لديكِ تفسيرٌ لحالتي؟

لو تعلمين ياصديقتي، سريري – رغم كلِّ شئٍ – أشهى، و ما بعده أبعد من متناول أوهامك. لا تستطيعُ أنثى أن تجتاز سريري عابرةً منه إليَّ إلا عندما تجتاز عُقدي الشهوانية. هل ستفعلين؟

على أبدِ النارِ والطفولةِ أنام، هل تسمعين بروقَ العصور، هل تسمعينَ آهاتِ أحلامي؟

الآن يمكنني أن أغادر، هيا، قولي لي: تصبح على خير، لأقول لك: بل سأصبح على ما أشاء.

– كُن بخير.

- سأحاول.

صلاة

 

الإلهةُ النائمةُ بجانبي لا تتعرى ليدي عندما أعبثُ بجسدها، بل تنهرتي بصوتٍ نائمٍ لا يكفي لصدِّ غبارِ الشهوة.
يَدُها التي تَصُدُّنِي تَكنِسُ غُباريَ الأرجُوَانِيَّ. وأنا أُصرُّ على مُعاودة الهبوبِ وطَمرِهَا بالغُبَار. أنا رسولُ الترابِ، ورحمةُ الأرضِ لأبنَائِهَا.
جَسدِي يَتلُو قُرآنَ الشَّهوةِ، ورياحي تَحمل بُشرَى الْمَطر.
سلامٌ عليكم أيها الهاجعون في مرقدِ التشهي عَاطلونَ عن الفعلِ الْماتع. سلامٌ لجفافكم الظامئ. سلامٌ لأعضائكم البتولُ وهي تتشظى شبقاً لنُتفةٍ من خطيئة.

 

 

المعرفة المستدامة: دع الصينين يقرأون ما تكتب

لعل المدونات نشأت كمساحات شخصية لأصحابها، للتحدث في أمور متعلقة بصاحبها في الأغلب، أو مناقشة بعض الأخبار المحلية، ولكن ثورة التدوين جعلت من النشر الحر عبر انترنت توجهاً معرفياً وسياسياً يستطيع من خلال الحراك العام لموجة التدوين؛ والتيار الفكري المصاحب له، أن يحكم العالم، ويؤثر في صانعي القرار، ويسلبَ لُبَّ القراء، بل إنك لن تتعجب لو أخبرتك أن أغلب صانعي القرار الذين يتعاملون مع الانترنت يستخدمون التدوين من أجل بث أخبارهم واستجلاب الآخرين لحملاتهم الانتخابية، أو التحريض على التصويت، أو التأثير في الرأي العام.

لقد صعدَ باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بسرعة الصاروخ من خلال حملات الانترنت وشباب الفيس بوك والمدونين الذين ساندوه في حملته، وكان شعار الحملة في كل مكان: نعم، نحنُ نستطيع. Yes, We Can.

ماذا يعني أن تكون مُدوِّناً؟ أن تكونَ عالمياً مثلاً. أن تكونَ سياسياً مُحنكاً؟ أو كاتباً عبقرياً؟

أن تكونَ كائناً خرافياً؟ شاعراً؟ أن تكونَ صائد فُرص، تنتظرُ ما يسنحُ لك من أفكار كي تُلون جدار الفضاء بخيالاتك.

في الحقيقة، يمكنك دوماً من خلال التدوين أن تكون ما تريد، أن تُصبحَ الشخصَ الذي حَلمتَ به، يمكنكَ أن تُمارسَ سُلطاتك العقلية على الكلمات، يُمكنك أن تحكم في مملكةٍ صغيرة العديد من كائنات الكتابة، وتتوج نفسك مَلكاً.

يمكنكَ أن تكونَ مواطناً فضائياً يعيشُ في مساره الخاص، ومن خلالِ سفينته الفضائية ( مدونته ) يبث رسائل إلى العالم. يمكنك حتى أن تحتل العالم من خلال مدونتك إذا أردت.

هل تعرف أن بإمكان أي شخص في العالم قراءة ما تكتبه، أياً كانت لغته، من خلال خدمات الترجمة الفورية التي تقدمها عملاقة الانترنت جوجل لصفحات ويب؟

حسناً، ما الذي يجعل قارئاً صينياً أو أمريكياً أو هندياً أو يابانياً يهتم بما تكتبه، لدرجة أن يُكلفَ نفسه بالترجمةِ إلى لغته الأصلية ويقرأه؟

الإجابة بسيطة، إنه المحتوى.

المحتوى الذي يتشكلُ غَمامُه في عقلك، وتهطلُ به كَلماتك، فيخضرُّ عشبُ البديهةِ في عقولِ قُرائك.

قل لي عمَ تكتب، أقل لك من يقرؤك. هل تكتبُ شيئاً يُمكن أن يبقى ويصمد مع الوقت؟ أم تكتبُ أخبارك اليومية، وأحداث حياتك العابرة؟ وتُعلقُ على الأخبار السياسية، وتشتمُ الرؤساء والحُكام؟

أنا لا أقولُ لك أن كل هذا سئ، ولا أنصحك بأن تتخلى عن كتابة أخبارك اليومية، لكني أشجعك على أن تجعلَ ذلك من خلال المعرفة المستدامة، يمكنُ جداً الاستفادة من تدوين المُذكرات من خلالِ بثِّ الرسائل،

هل تسألُ بعد ذلك، لماذا أدون؟

هل تنتظرُ بعد ذلك ألا تُدَوِّن؟

حوار صحفي: أتمنى أن تفني نظرياتي علم الشعر الحديث وتكبه في الزبالة

[notice noticeType=”info” ]حوار صحفي مع: محمد الشموتي: أتمنى أن تفني نظرياتي علم الشعر الحديث وتكبه في الزبالة، حاورته:  منى وفيق، تم نشره لأول مرة في مجلة أويا الأدبية [/notice]

منذ سنوات ليست بالقليلة ارتفع حارس الهاوية من الهاوية بفعل جاذبية الشعر ليصير شاعرها و حارسها الأبدي . مدونته على الإنترنت كانت من أول المدونات المصرية التي تحتفي بالكتابة والصعلكة والشعر والوجود والإيروتيكا .. كثيرون تساءلوا ، ماذا ينتظر محمد الشموتي لكي يطبع ديوانه الأول وهاهو يفعلها أخيرا

يكاد يكون الشموتي متفرغا للكتابة وتسجيل الدواوين وقصص الأطفال و كتب علم النفس والقصص وأنواع كثيرة من النصوص بصوته المميز بعد أن أنشأ شركته الخاصة “صبا الصوت “.

حين تلتقي هذا الشاب ذا الشكل الوجيه ونظرات تشبه نظرات ” كوالا لئيم ” يخطر ببالك أنك أمام رجل أعمال مبذر وربما قد يكون آخر ما تفكر به أنك أمام كاتب صعلوك يغامر بكل شيء من أجل ما سوف يتخلى عنه لاحقا.
صدر للشموتي مؤخرا عن دار فكرة ، ديوانه الأول “يحرث الهاوية” فكان هذا اللقاء معه للحديث عن إصداره وعن الشعر وعن مشروعه “صبا الصوت”

. 1 – بدأت كتابة الشعر من قصائد بعيدة المسافة زمنيا. وها أنت تسمي أول دواوينك بالمسودة ..ألا زلت متردداً بخصوص إصدارك الشعري الأول حتى بعد طبعك له؟
المسودةُ أصدقُ دائماً من النسخةِ النهائية، فهي تقدم الارتباك الطبيعي للكائن، التناقض الظاهر جداً، تقدم ما لم يكتمل، ما لا يسعُ الشاعرُ قوله فيمدُّ به يديه حائراً. أنا مولعٌ بعدم الاكتمال، أشعر أنه أريدَ لنا أن نكونَ كذلك على هذه الأرض، وانطلاقاً من هذه الطبيعةِ المنقوصةِ للأشياء، ربما يغدو عدم الاكتمالِ يقيناً، وأنا لم أتردد أبداً بشأن الإصدار الشعري، فأنا مؤمنٌ أن الكتابةَ هي حالةٌ من اللايقين الذي يُبقي الكاتب طموحاً للمزيد، أي للوصولِ يوماً ما، وهو في حقيقةِ الأمر، لن يصل، لكن لا بأس بأن يخلق الإنسان لنفسه – حتى لو لم يكن كاتباً- هذا السياق، ويسير فيه مُختاراً، لأن المُنجز الشخصي حينها يتحولُ لإنجازٍ جديرٍ بالتأثير على العالم بأسره.

2 – تتحدث في ديوانك الأول عن السقوط داخل النص بل تذهب بعيدا وتقول أنه تاريخ السقوط ..أنت المأخوذ بالسقوط في الهاوية ومن ثمة حرثها ..هنالك من يقول أنه زمن السقوط الشعري..هل هو كذلك ؟ وهل أنت ساقط شعريا في هاوية شعرية لا يقترب منها شاعر؟
السقوطُ إلى داخل النص، هو محاولة، دعيني أقل، غير عاطفية، لإثارة تساؤلات وجودية يهمني أن أجد لها صدى خارج نفسي، ربما أطرح أسئلتي على الأشجار والجبال، وهي تساؤلات مشروعةٌ حينما نتحدث عن حراثة الهاوية، فللجميعِ إرثٌ فيها، وتاريخ السقوط بالنسبة لي هو تاريخ البشرية الذي بدأ بسقوط آدم من الجنة.
٣ – وأنا أقرأ ديوانك أحسست أنني أقرأ لطبيب نفسي شعري ؟؟أو فيلسوف شعري ؟لربما مريض نفسي شعري أيضا؟ ؟؟
قد أكون كلَّ هذا في أحوالٍ مختلفة، لكن ما أنا أكيدٌ منه، أنني لا أحترفه، ولا أنوي ذلك، أنا فقط أحرثُ الهاوية، وأمسح عرقي.

٤ – هل تراهن على الشعر كداء أم دواء أم لقاح؟؟
أنا لا أراهن أبداً، لو فتشت كتابي كله، لن تجدي كلمة رهان، ولا حتى أحد مشتقاتها، أما لو أصررتِ، فالشعر حياة، أكبر من احتمالية رهاني بكثير، وهو خطر بخطورةِ احتمالاته، قد يخذلني يوماً، ويجف في عروقي، فهو مادة طبيعية أعتبرها من مواردي الحسية من أجل الاستمتاع وتذوق الوجود. لذا، أنا لا أراهن، لأنني لستُ متأكداً من شئ.

٥ – كأن نصّك الشعري تنظير لعلم الشعر الحديث؟؟
نعم، تنظير تخريبي جداُ، أتمنى أن تُفني نظرياتي علم الشعر الحديث، وتكبُّه في الزبالة، لأنه لا يُفترض بمثل هذا العلم أن يوجد.

٦ – تبحث عن تفاسير متعددة لمفاهيم كثيرة جدا داخل نصّك ..هل تحمّل القصيدة أكثر مم تحتمله أنت؟؟
القصيدة أنثاي الباقية لي أبداً، المخبوءة في دمي، والشهامة تقتضي ألا أحملها أكثر مما أحتمله أنا، لكن المتعة تقتضي أحياناً أن أفعل.

٧-هل نسمي ديوانك “يحرث الهاوية”منجزاً شعرّيا؟
لا، ليس شرطاً، يمكنك – إذا شئتِ – أن تسميه حقيبة إسعافات أولية، أو متحفاً للغربان التي أهوى اصطيادها وتحنيطها، وتلوين مناقيرها بالأحمر، أو يمكنك إذا – حكمت الضرورة – أن تسميه تجربة علاقة جنسية للمرة الأولى.

٩ – كأنك في ديوانك الأول تشير غير ما مرة إلى مشاكل معيّنة مع اللغة؟
نعم، لدي مشاكل مع اللغة، تقتلني دائماً ولا أردُّ عليها حتى بأن أموت، وهذا لأنني خجول جداً، كما أنني لا أحتمل عجزهاً أحياناً، وربما أفلح في وضع حدٍ لانتهاكاتها عن طريق التمثيل الصوتي الذي أمارسه، بتعابيره ونبرته التكميلية للكلمات، وأنا أحياناً أشفق على اللغة من صوتي، قد لا تستطيعُ هيَ احتماله، وهذا يُعذبني، لأنني أحبُّ اللغة ولا أطيقُ ما أفعله بها.

١٠ – محمد الشموتي ، هل هو مصاب بتوحد شعري؟
ما رأيك أنت؟ لن يستطيع مريض التوحد أبداً أن يعرف أنه مصاب به، ما لم يخبره أحد بذلك، ويشترط أن يكون أحداً يثق في كلامه ويؤمن به كنبي.

١١ – كثير من الشعراء ماتوا منتحرين ،أليس هذا خيرا من قتل شاعر لنفسه يوميا كما تفعل أنت؟
الذين انتحروا، توقفت قدرتهم عن الحياة، ولا زلت أرى الفجيعة المهولة ترتسم على أوجه الكلمات التي أخذوها معهم دون أن يقولوها، لذا قد أكون وجدت حلاً، بأن أموت كل يومٍ، كي أحيا قليلاً.

١٢ – هل قصائدك تصبّ في يوتبيا إيروتيكة كما ينبغي لها؟
لا ينبغي لقصائدي الأيروتيكية إلا أن تصبَّ في المكان الوحيد المناسب لها، الجسد الضدّ، الذي يطيب لي دائماً أن أختلف معه في الود، كي لا نخسر للشعر قضية.

١٣ – هل أنت شاعر سادي أم لئيم أم متذاكي؟
أنا الاختيار رقم 4.

١٥ – مالذي يستحق أن تضعه في آخر سطر من ديوانك ؟
يقول الناشر بريدك الإلكتروني، أما أنا فلم أقرر بعد، سأفعل ربما في كتابي الخامس أو السادس.

١٦- لننتقل للحديث عن مشروع “صبا الصوت” ،كيف تُعرّف به في سنته الثانية؟

أعلى قليلاً من صليل الأسلحة، وأكثر إدهاشاً مما كنتُ أعتقد، أخيراً أصبح للصوت في حياتي تأثيراً أبعد من ارتداد صداه على جدران الحمَّام عندما كنت طفلاً، وكنت أقرأ القرآن وأنشد الشعر هناك، لأنه كان المكان الوحيد الذي يُشعرني بجمال صوتي آنذاك.
صبا الصوت مشروع جبار، ويسير بثقة وتمكنٍ في سنته الثانية، ومُنتجه النهائي سيكون مُدهشاً على المستوى المعرفي، والإبداعي.

١٧ – لكن المشاريع الإبداعية لا تدر الربح كثيرا؟أم أنك في “صبا الصوت” قد تتنازل وتسجل مالست مقتنعا به لتتمكن من تسجيل ما أنت مقتنع به؟

المشاريع الإبداعية التي لا تُدر ربحاً، هي التي تبقى مرهونة بوسطٍ ثقافي ونخبوي لا يجب أن ترتهن به، أو تقتصر عليه، في رأيي أن المشاريع الثقافية لكي تكون مُربحة، يجب فصل الجانب الإبداعي والطبيعة المعرفية لها، و معاملتها كمُنتج تجاري، بقوانين السوق، لا بقوانين الإبداع، وأنا في هذا الأمر جاد جداً، وأحاول مع فريق العمل الرائع في صبا الصوت، أن نتجاوز نخبوية الثقافة والمعرفة، لنقدمها في النهاية كمُنتج، يُعامل بمنطق السوق، وقوانين التجارة، وأن نبتعد عن ارستقراطية الإبداع، عندها قد ننجح في جعل مشروع إبداعي، مشروع تجاري أيضاً، مع المحافظة على الجوهر والقيمة، وتقديمهما في موكب لائق، وضمان الاستمرار في الوقت نفسه عن طريق العوائد المادية.

١٩ – ما إصدارات “صبا الشعر” الان؟
في صبا الصوت هناك دواوين شعرية قيد الإنتاج، وكتب مسموعة قيد الإنتاج، وكلاهما سيرى النور قريباً، ثمة مفاجآت وأسماء جديرة بالاحتفاء، وأفضل أن نعلن أسماء الإصدارات وقت صدورها بالفعل.

إلى دخيل الحارثي: أتيتُ صديقي وقبل أن آتي مضيتُ

أتيتُ صديقي، وقبلَ أن آتي مضيتُ.
تأخرَ صمتي كثيراً عن موعدِ الصوتِ
تعلمتُ كيفَ أكونُ وليداً في قماطٍ
من الماضي.

لم أعد أحداً تماماً.فدعني قليلاً
صديقي، أرَجِّي المشاعرَ أن تستفيق.
ودعني كثيراً ، أعيدُ صياغةَ وجهي
بما يتناسبُ مع معطياتِ الحداثةِ
أو واجباتِ الصداقةِ.

أتيتُ إليكَ، تعالَ إليََّ هنا
ودعني أمارسُ مزجَ العناصر وفقَ
مزاجِ التكون. ودعني أمارسُ نزقَ
كتابةِ غيري وفقَ التلبسِ بالحلمِ.

أتيتكَ أحملُ همَّ ثلاث سنين.
وبعضَ المعاني عن الفقدِ والموتِ
فلا تترفق بقلبي، وتتلو عليَّ حديثاً جميلاً
كقلبك، وقل لي: إذا لم أكن حياً ولا ميتاً،
فماذا أنا ؟

ستقولُ لكَ أعضائي أنني قادمٌ من الهمِّ،
لكنهم لم يشهدوا ذلك اليوم.
فقد كنتُ وحيداً يا صديقي.
وكانَ الماضي يتواجدُ بروحهِ في
ثنايا المكان.

عموماً، لعلك تلاحظُ أني فقدتُ الإيقاع.
لقد كان ذلك منذ زمنٍ ليس بالبعيد.
ولم يعد في استمرارية كلامي ما يُتيحُ الشعرَ
للآخرين. لذا سأحاول تجنب الوقوع في
فخ الكتابة، وسأنَحينِي جانباً، وأستفيدُ من
الأصدقاء أمثالك.
فمثلما ترى، لقد أصبحتُ عصياً بعض الشئ
على التكشف. وعلى التأثر.

أصبحتُ متجاوزاً العبورَ إلى التلاشي.
كما أن أكذوباتي لم تنل إقناعاً لدى من كذبتُ عليهم كطفل،
فحملوني مسؤولية ذلكَ كرجل.

أظنني أتحملُ أفظع الخيبات الذاتية التي صادفتني في حياتي.

صديقي. شكراً لتذكركَ إيايَ حينَ ترجل حلمك.
سأحلمُ من جديدٍ لأجلك. رغمَ الأيام. ألن تفعلَ لأجلي؟

تعلم..

لألقي الحجارة من يدي،
وحتى تُظلل أفياءنا ساقية.
حتى تُظلل أفياءنا ساقية.
حتى تُظلل أفياءنا ساقية.

تجاوز ضريح لغوي

هُنا يرقدُ شخصٌ ما على وشكِ الموت.

إنه لم يمت، لكنه يوشك أن يفعل. إنه ليسَ مَريضاً، إذا اعتبرنا أن بعضَ بقعٍ جلديةٍ لا تُسببُ الموتَ هذه الأيام. وهوَ أيضاً لا ينوي الانتحار، فالانتحارُ بصقةٌ في وجهِ الخالقِ، وهوَ يحترمُ خالقه جداً، أيضاً فهو لا يركبُ سيارةً تطيرُ بسرعةِ مائتي كيلومتر في الساعة على طريقٍ يؤدي إلى مُنحدر، ولا يقفُ على بنايةٍ يُحتملُ أن تسقطَ هذهِ اللحظة، وهوَ ليسَ في بلدٍ يمتلئُ بالإرهابين، وليس على قائمةِ المطلوبين للخطفِ هذهِ الأيام. لو كنتم تتخيلون ما أعني، فهو في أمانٍ تامٍ هذه اللحظة، لكنه مع ذلكَ على وشكِ الموت.

لا أدري هل يتحكمُ في الأمرِ كما يبدو لي، أم أن قضيته الآن خارج إرادته؟

يبدو أنه قرَّرَ الانتهاء مُنذُ زمنٍ ما. أن يُقرِّرَ إنسانٌ أن يَنتهي، فذلك بالنسبةِ له أعظمُ شئٍ يمكن أن يفعله شخصٌ لم يخترْ قدرَ ابتدائه. لكنه معَ ذلكَ لا يريدُ أن يَنتحر، إنه فقط على وشكِ الموت.

ألحَّ في ذهنهِ سؤالٌ عن قدراتِ الإنسان. تَذكَّرَ تلك القرية في مجاهيلِ استراليا، حيثُ يُنفذُ الجاني حُكمَ الإعدامِ بنفسهِ عن طريقِ تدميرِ أعضائهِ الداخلية بقوةِ التركيز. إذن هناكَ من يموت بمجرد الرغبة في ذلك. اطمئن كثيراً وشعرَ بالأمل.
تناولَ ورقةً بيضاءَ، وقلماً رَصاصاً، ثم كتبَ بخطٍ أنيق: الحياةُ الآن = صفر.

***

في المطبخ، أعدَّ بعض الشاي، لم يكن ثمة نعناع طازج، لذلك اضطر لاستخدامِ بعض النعناع المجفف، لا بأس، فهذا يُرضيه أيضاً. رغبَ أن يُشعلَ سيجارةً، لكنه تذكَّرَ أنه لا يُدخن.
قلبَ في أوراقهِ القديمة، لم يجد لديهِ رغبةٌ في التذكرِ، ولا في الحزن.
تناول الورقةَ والقلم مرةً أخرى، وكتب: الحياةُ الآن احتمالاتٌ متساوية.

***
فتحَ نافذة الغرفة، تنفس رائحةَ الفجرِ وهو يمتلئ بموسيقى هانز زيمر التي تزلزلُ الصمت من حوله، حرَّكَ يده كمايسترو منتشي، غرقَ عميقاً في ضبابٍ حجبَ عنه الرؤية. تلفتَ حوله، وإذا به يرى الصوت، والروح، والملائكة وهي تصعدُ إلى السماء، كان يرى حتى نسائم الفجر التي تتسللُ من نافذةِ الغرفةِ إلى قلبه. أخيراً ارتوت حواسه بعد جفافٍ دامَ طويلاً مُنذُ موته الأخير.
بحث عن الورقةِ سريعاً، وكتبَ عليها: الحياةُ الآن حقيقةٌ بخلافِ العادة.

قطة الله – إلى ساكنة الشرفة

” إلى ساكنةِ الشُّرفةِ، نهال عمران”

قطةُ اللهِ ماتَ اليقينُ على جَسدِها الأملس، وإيمانُها نحلَ كَشَعْرِهَا، ولم تعد تأكلُ خبزَ الإلهِ المُفتَّتِ في الشرفةِ،
أو تتناولْ حليبَ المساءِ منذُ خَبا نورُ عينيها، وانطفأ في ناظريها المساء.

قطةُ اللهِ استنكرت قَدَرهَا، رَكَلت رِزقَها غَاضِبةً، فَباركَ رَبُّها ثَورَتَها، كما باركَ دوماً إيمانَها.

– لا،
لَم أعدْ قطةً.
صَاحتْ.
-سأصبحُ نَسراً.
وقفزت دونَ جناحينِ، فاغتالتها خِفَّةُ الهواءِ، جَرحَت قَولَها سَقطةٌ في الفراغِ.

-لا،
بل سأصبحُ غولاً،
وتَلفتت حَولَها، فلم يَنبُت لها شَعرٌ ولا أطرافُها استطالت رَماديةً، وبَصرُها لم يُضئ بالوجود.

-سأصبحُ عنقاءَ.
قالت،
فقَدحَت بصيرَتُها شَرَرَاً، أضاءَ الجحيمُ وهيَ تتناثرُ
سُخطاً، تُغنِّي:
أنا العنقاءُ
أخطِفُ أطفالَ الحكاياتِ،
أقصفُ وردَ النَّدَى بالحجَارةِ،
أسطو على الكهفِ المقدسِ،
أقتفي أثراً من التاريخِ،
أقتفي مَجداً مِنَ الْخُلدِ،
أطيرُ أطيرُ، وعندَما أخبو
رويداً رويداً، مثلَ جفافِ
إناء الحليبِ، مثلَ نُحولِ
جِلدِي الخريفي، مثلَ ضُمورِ
بصري، سأتناثرُ لعنةً
في محيطِ وجودِ الحياة.

-لماذا إلهي؟
تَساءلتْ قطةُ اللهِ فِي حُزنٍ كئيبٍ، كَعَمى عَينِها عن رؤيةِ
الدربِ الطويلِ.

– لماذا ياربِّ ؟!
ظننتُ بأنَّ الحياةَ كرحلةِ حلمٍ مُلونةً لا أفيقُ منها إلا لموعدٍ في التراب، حَلمتُ بأنَّ يمينكَ تمتدُّ نحوي، تُمسِّدُ عينيَّ باليقينِ كيما أظلَّ على قيدِ آثارِكَ، كرهتُ حواسِّي يتيمةَ العينين.

في كلِّ مَساءٍ، كنتُ أؤمنُ أنكَ ربي وربَّ زهورِ الحديقةِ، كان سيكفي إيماني الصغير، فلماذا تركتَ الشظايا تُحملقُ
في يانعاتِ يقيني، وتقصفُ دربي.
لماذا أطفأتَ شعلةَ إيماني عندَ هبوبِ الرياحِ الجنوبيةِ صوبَ فؤادي؟
أعندمَا أبصَرتُ مَجدكَ، تأمرُ البرودةَ تضربُ روحي،
وتقطفُ عيني، وأنتَ تعرفُ أن دمي يتجمدُ مثلَ بحيرةٍ في قُطبِ الأرض ؟!

***
أنا أؤمنُ أنكَ ربٌ كريم وجيد. وأنكَ تعلمُ ما يعتريني من
الخوفِ والشكِّ، وأن وُجودكَ حقٌ لأن وجوديَ حق.
وما دامَ حسي يعانقُ كونَ وجودي، فأنتَ الوجود .
***
هنا قطتكَ، كنتُ للتوِّ أمسِّدُ جسدي بانتظارِ إناءِ حليبكَ،
وقطعةِ خبزٍ تعلمني كيفَ أشكرُ فضلكَ. ولكن الظلامَ
انتشر، وخبزُ المساءِ جاءَ ليجرحني عندما ضللتُ الطريقَ إليه،وكانَ الحليبُ سراباً من الماءِ لم أبُصر سيولةَ معناه.

وعندما أهلكني الجوعُ، كانَ جُوعِي إليكَ، رغبتُ، ظننتُ،
وخفتُ من الانتظارِ طويلاً. وها أنا أكتبُ حالي إليكَ،
فلا تتأخر كثيراً إلهي.

***
والآن،
قطةُ اللهِ تغدو سريعاً إلى الشرفةِ قبلَ مجئِ الإلهِ إليها، تقودُ خُطاها بنورِ البصيرةِ، تُشعلُ حواسَّ الخيالِ كي يضئَ الطريق.

قطةُ اللهِ تجلسُ في المساء، تعبدُ الصمتَ من حولها،
ليأتي الإلهُ فيحنو على قَلبِها، قطةُ اللهِ تعرفُ الآنَ
مَا دربُهَا.