التنظير التخريبي هو مشروعُ كتابٍ أعمل عليه منذ فترة، وسأكونُ مُهتماً بإيجاد ناشر له فور بلوغ الرضا المبدئي عن أول مسودةٍ أنتهي إليها، ولأدعكم أثناء انتظاره على بينةٍ منه، فها هي معالمه بين أيديكم:
بدأت فكرة هذا المشروع تسيلُ مني على هيئةِ صلصالٍ أسود، يُغريني بإعادةِ تشكيل عُقدي النفسية التي توصلتُ لحقائقها، وتلك التي لا زلتُ أعاني منها، وقد فكرتُ في التنظير التخريبي ككتابٍ، أو كمشروعِ كتاب، لأنني مهمومٌ بإنشاءِ بيئة فكرية – نموذج – أو موديل صناعة معرفة – تماماً مثل فكرة الموديل في البيزنس، أو مثل بيئات العمل البرمجية Frameworks ، ويُمكن لمثلِ هذا العمل أن يكونَ كتاباً، أو سلسلةً من الكُتب، وأنا لم أحدد بعدُ فيما إذا كنت سأرقصُ مرةً واحدة، أم عدةَ رقصاتٍ طوال ليلِ حياتي، و كلُّ ما آمله ألا يُمنعَ الكتاب لأجلِ عُنوانِه في ظلِّ أوضاع الرقابة الرديئة في الوطن العربي، والسعودية خاصة.
التنظير التخريبي من ناحيةِ توصيفه الفكري؛ يُعنى بتخريب وهدم بعض الدعائم النظرية في منظومة التفكير الحالية، وبالتالي يُخرِّب عدداً لا بأس به من الثوابت والأصول والرواسخ الفكرية – نظرياً على الأقل- حيثُ أنه لا سبيلَ إلى تخريب أي شئٍ ملموس، فهو ضدَّ القانون، لكن بما أن العالم الذي يُحرك الأفعال هو عالم الأفكار، فلا بأس بأن أمسك المعول، وأخرِّبَ بعضاً من الأفكار والنظريات السَّقيمة، تماماً كما يتم هدم بناء قديمٍ من طابقين ليحلَّ مكانه ناطحة سحابٍ بخمسين طابقاً.
التنظير التخريبي، أهتمُّ فيه بتوسيعِ نطاق القُدرة الفكرية، وتطبيق نظرية المعرفة المُستدامة، وهذا يعني أن الأفكار الواردة فيه يُمكنُ استخدامها كمادةٍ فكريةٍ خام، أي يُمكنُ دائماً بناء أفكار أخرى عليها، والاشتقاق منها، أو تحويرها في أشكالٍ معرفيةٍ مُتعددة، وهذا يعني أنها ليست حقائق بقدر ما هي مُقتطفات، أو ومضات عقلية، يُمكن أن نبني على كلِّ فقرةٍ منها بنايةً كاملةً من الأفكار، كما أنها مُستدامة، أي عابرةً للحدثِ، والمؤقت.
لنأخذ بعض الاقتباسات:
” من يجدونَ حرجاً في التفكير خارج نطاق المألوف والسائد، لا يُمكنهم أن يُصبحوا فاعلين أو مؤثرين، كما أنه لا يمكن للتطورِ أن يحدث إلا بوطءِ أراضٍ جديدةٍ ومناطق مُختلفة من صحراء الفكر الجرداء، فثمةَ دائماً اكتشافٌ جديدٌ ينتظر، هذا الاكتشاف عبارةٌ عن فكرة، هذه الفكرة تُساهمُ في تطورِ العقلِ البشري الذي اكتشفها أو فكَّرَ فيها، ويُساهمُ هوَ في تطورها، ثم بُمجردِ انتشارها، يبدأ مجموعُ العقول البشرية في التفاعل معها، وإعادةِ إنتاجها في صيغٍ مختلفةٍ وسياقاتٍ مُتعددة، وهذا يقومُ بخلقٍ خانةٍ جديدةٍ في الوعي الجمعي، مما يصنعُ مجالاً جديداً للحركة في نطاقِ هذه الفكرة، إما تقدماً أو تأخراً.”
” لا بأسَ في ألا نكونَ واقعيين، وأن نبتدئَ كلَ يومٍ حقلاً من التجاربِ الفكريةِ التي قد تبوءُ بالفشل، فالفكرُ مُركبٌ يحتوي في داخلهِ على مئاتِ العناصر التي يمكنها التفاعل مع بعضها البعض، ونحنُ في الأساس لن نعرفَ نتاجَ هذا التفاعل إلا من خلال التجربة. “
” نعرفُ أن الفكرةَ عندما تنبثقُ في عقلِ أحدٍ ما، فإن ترددها ينتشرُ عبرَ الكون، وتستقبلها آلافُ العقولِ الجاهزة لاستقبال هذا النوع من الترددات الهائمة في الكون، وما يُميزها أنها عقولٌ لديها قدرةٌ جيدة على التأمل، ولديها حظٌّ وافرٌ من البديهةِ الحاضرة والهدوء النسبي. ”
” عادةً ما يكونُ الإنسانُ الهادئ مُشتعلاً في داخله، ليسَ شرطاً أن يكونَ الهدوءُ علامةَ المثالية، المثالية ليست هادئةً أبداً، إنها تبدو كذلك من على السطح فقط، أما في العمق، تحتَ القشرة الخارجيةِ، فالإنسانُ المثالي: مُتناقضٌ بطبعه، يكتظُّ عقله بمئات الأفكار والتجارب التي ليس لها فُرصةٌ للخروج في ظلِّ خمولٍ فكري عام، وانتفاء أي بيئةٍ خصبة لازدهار الأفكار ونموها. “
” الحقيقة مسؤوليةُ الباحثينَ عنها، لا مسؤوليةُ المُدَّعينَ لها.”
” خُلقَ الإنسانُ عارياً، باكياً، مندهشاً. وأغلبُ الأشخاص الذين يُحققونَ إنسانيتهم ويعثرون على ذواتهم، هم أولئك الذين يبقون على قيدِ طبيعتهم الأولى قيدَ المستطاع، عُراةً، حَزَانى، مندهشين. العُري هو الحقيقة. الحزنُ هو الإنسان عندما هبطَ من الجنةِ فختمَ الحزنُ على قلبهِ حتى يعود. الدهشةُ هي الفلسفة، والقدرةُ على السؤال، والاندهاش أمام جديديةِ الأشياءِ والأفكار. “
” الكتابةُ للعالم، هي شأنٌ شخصيٌ تماماً، وذاتي أيضاً. على الكاتبِ أن يكتبَ لنفسه أولاً، أن يكونَ أولَ مستمتعٍ بما يكتب، وأن يقعَ في غرامِ ما يكتب. لو شاءَ أحدٌ أن يكتبَ للعالم، لما التفتَ إليه أحد، أما إن كتبَ الإنسانُ لنفسه، فإن العالم سيلتفتُ إليه، لأنه عالمٌ فضوليٌ بطبعه.”
” أخبرُ الطمأنينةَ أن تستريحَ قليلاً، و أستدعي القلقَ لأسأله بهدوء: هل تعتقدُ أن الحياةَ جديرةٌ بنوعٍ من استمراريةِ الأمل، حتى ولو كانَ كاذباً؟
يُخبرني القلقُ أنَّ الحياةَ تعيشُ على عدةِ تناقضات لا يُمكنُ لنا تفاديها، وهيَ خيرٌ لنا فيما لو تفكرنا قليلاً، فرُغم ظاهريةِ التناقضاتِ التي قد تُفضي إلى اليأس، نحتاجُ أن نؤمنَ، ونحتاجُ أن نأملَ، وهذه أعمدةُ التطور والتقدم، والأسبابُ التي تُفضي إلى التغيير، الإيمانُ والأمل، وأما دوره كقلقٍ، فهو موازنةُ الأمور، حتى لا يُسرفَ الإنسانُ في إيمانهِ فيفقدَ معنى وجودهِ، أو يضيعَ الآملُ في أمَلِه فيتجاهلَ واقعَه، وحتى يقلقَ الصانعُ على ما يصنع، فيجوِّدَ ويُتقن.”
سأثمنُ أي محاولاتٍ لإجهاض التجربة، لكنني لن أستجيب لها، وسأحبُّ أن تُشاركوني السواد الذي في رؤوسكم.



إسمح ل الدهشة بكلّ هذا السواد الأنيق ، أن تخرج بـ العاميّه :
رهيب إنتَ يا زلمه !!
بكيتني وضحكتني ، بتأصيلك المعرفي للتناقضات والحزن والعري و كل ما ذكرت
أكمل أكمل التجربة ، و دعنا لِ وعكات الدهشة