قطة الله – إلى ساكنة الشرفة

” إلى ساكنةِ الشُّرفةِ، نهال عمران”

قطةُ اللهِ ماتَ اليقينُ على جَسدِها الأملس، وإيمانُها نحلَ كَشَعْرِهَا، ولم تعد تأكلُ خبزَ الإلهِ المُفتَّتِ في الشرفةِ،
أو تتناولْ حليبَ المساءِ منذُ خَبا نورُ عينيها، وانطفأ في ناظريها المساء.

قطةُ اللهِ استنكرت قَدَرهَا، رَكَلت رِزقَها غَاضِبةً، فَباركَ رَبُّها ثَورَتَها، كما باركَ دوماً إيمانَها.

– لا،
لَم أعدْ قطةً.
صَاحتْ.
-سأصبحُ نَسراً.
وقفزت دونَ جناحينِ، فاغتالتها خِفَّةُ الهواءِ، جَرحَت قَولَها سَقطةٌ في الفراغِ.

-لا،
بل سأصبحُ غولاً،
وتَلفتت حَولَها، فلم يَنبُت لها شَعرٌ ولا أطرافُها استطالت رَماديةً، وبَصرُها لم يُضئ بالوجود.

-سأصبحُ عنقاءَ.
قالت،
فقَدحَت بصيرَتُها شَرَرَاً، أضاءَ الجحيمُ وهيَ تتناثرُ
سُخطاً، تُغنِّي:
أنا العنقاءُ
أخطِفُ أطفالَ الحكاياتِ،
أقصفُ وردَ النَّدَى بالحجَارةِ،
أسطو على الكهفِ المقدسِ،
أقتفي أثراً من التاريخِ،
أقتفي مَجداً مِنَ الْخُلدِ،
أطيرُ أطيرُ، وعندَما أخبو
رويداً رويداً، مثلَ جفافِ
إناء الحليبِ، مثلَ نُحولِ
جِلدِي الخريفي، مثلَ ضُمورِ
بصري، سأتناثرُ لعنةً
في محيطِ وجودِ الحياة.

-لماذا إلهي؟
تَساءلتْ قطةُ اللهِ فِي حُزنٍ كئيبٍ، كَعَمى عَينِها عن رؤيةِ
الدربِ الطويلِ.

– لماذا ياربِّ ؟!
ظننتُ بأنَّ الحياةَ كرحلةِ حلمٍ مُلونةً لا أفيقُ منها إلا لموعدٍ في التراب، حَلمتُ بأنَّ يمينكَ تمتدُّ نحوي، تُمسِّدُ عينيَّ باليقينِ كيما أظلَّ على قيدِ آثارِكَ، كرهتُ حواسِّي يتيمةَ العينين.

في كلِّ مَساءٍ، كنتُ أؤمنُ أنكَ ربي وربَّ زهورِ الحديقةِ، كان سيكفي إيماني الصغير، فلماذا تركتَ الشظايا تُحملقُ
في يانعاتِ يقيني، وتقصفُ دربي.
لماذا أطفأتَ شعلةَ إيماني عندَ هبوبِ الرياحِ الجنوبيةِ صوبَ فؤادي؟
أعندمَا أبصَرتُ مَجدكَ، تأمرُ البرودةَ تضربُ روحي،
وتقطفُ عيني، وأنتَ تعرفُ أن دمي يتجمدُ مثلَ بحيرةٍ في قُطبِ الأرض ؟!

***
أنا أؤمنُ أنكَ ربٌ كريم وجيد. وأنكَ تعلمُ ما يعتريني من
الخوفِ والشكِّ، وأن وُجودكَ حقٌ لأن وجوديَ حق.
وما دامَ حسي يعانقُ كونَ وجودي، فأنتَ الوجود .
***
هنا قطتكَ، كنتُ للتوِّ أمسِّدُ جسدي بانتظارِ إناءِ حليبكَ،
وقطعةِ خبزٍ تعلمني كيفَ أشكرُ فضلكَ. ولكن الظلامَ
انتشر، وخبزُ المساءِ جاءَ ليجرحني عندما ضللتُ الطريقَ إليه،وكانَ الحليبُ سراباً من الماءِ لم أبُصر سيولةَ معناه.

وعندما أهلكني الجوعُ، كانَ جُوعِي إليكَ، رغبتُ، ظننتُ،
وخفتُ من الانتظارِ طويلاً. وها أنا أكتبُ حالي إليكَ،
فلا تتأخر كثيراً إلهي.

***
والآن،
قطةُ اللهِ تغدو سريعاً إلى الشرفةِ قبلَ مجئِ الإلهِ إليها، تقودُ خُطاها بنورِ البصيرةِ، تُشعلُ حواسَّ الخيالِ كي يضئَ الطريق.

قطةُ اللهِ تجلسُ في المساء، تعبدُ الصمتَ من حولها،
ليأتي الإلهُ فيحنو على قَلبِها، قطةُ اللهِ تعرفُ الآنَ
مَا دربُهَا.