دموع – لسامي سعد

أنت تعرفين كم أكره الهاتف
هذه بداية جيدة
تذكري الآن عشرون عاماً كي تذكريني
أنا أنسى التفاصيل
أنا أنسى التواريخ
أنا المجبول على الدق كالمطرقة الحجرية
أنا الذي خلقني الله بلا دموع كافية
وبأعصاب أكثر مما ينبغي
البارد، المتغطرس، اللاهي، أنا
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتصبب رعباً، لا
أنت تعرفين
أنا لم أحب بشراً بما فيه الكفاية
أنا المتوحش، القاسي، الملول
أنا حفار القبور، راعي الأحزان
عاشق الموتى، وجمل الهموم الثقيلة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي تنسحق روحي، لا
أنت تعرفين
لا سماء، ولا أرض، ولا خليقة
قادرة على أن تأويني، لا
منذ عشرون عاماً أعرف دون خجل
لتقوم القيامة، ليحترق الكون
فقط كوني قريبة، فقط أعرف أنكِ ها هنا
ها هنا تعني أن لا تكوني في مكان آخر
مكان آخر لا يبعد أكثر من نظرة عين
أسمح بالغضب، بالخصام، بالانفجار
قولي أي شيء، وأفعلي ما تريدين
فقط كوني قريبة، كوني ها هنا
أنا الجاحد، الصلد، النائي
أنا العابس، المتقلب، الأناني، أنا
أنا الذي لا يعرف أين مفتاح البيت
وفرشة الأسنان، وباب الحياة؟
يا طلقة الروح الأخيرة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتفتت، لا
أنا الفاشل في الهديل، والغناء الطري
أنا الحاد، المشاكس، العنيد، أنا
أتضور، أتحرق، أظمأ، أعرى، وأضل
أنا لا أشكو إليكِ
أنت الهيابة، الخائفة، المرتعدة، أنتِ
لماذا تمدين يدكِ للوهم القاسي، كيف؟
لماذا تغادرين حقلك الزاهر، تذبلين؟
لماذا ترقدين، تتألمين، لماذا لا تنظرين إلينا؟
فقط أنت تعرفين، حين تهب الرياح القوية
حين تغدو السبل مهالك، والخطوة شوك
فقط أفعلي كما كنتِ تفعلين على الدوام
اغمضي عينيكِ، وتشبثي بمحراث الأرض الخالد
أحوطكِ بدم القلب، وماء العين
أرفعك عالياً فوق هامة كل موج
أطير بكِ الأقاصي، وأجالد من دونكِ حتى
حجر الكون المسنون
فقط دعيني أحاول مرة آخرى
حاولي معي، مرة آخرى، وآخرى، وآخرى
نجحنا من قبل كثيراً، نستطيع أن نفعل ما فعلناه معا على الدوام
فقط قومي على قدميكِ، واصلي المسير، تعالي
أنت تعرفين
من مكابدة الألم نقوى، نحلو أكثر، ونعلو
أنا الذي يتجول في انحاؤك، وابرة المحلول في وريدي
أنا الذي يصف لك أبهاء الجنة من دهاليز الغياب
أنا المجنون، والقابض على جمر خطوة إلى الأمام
أنتِ تعرفين، ماذا تعني الحياة دون حب؟
ماذا يعني الحب؟
ماذا يعني الوجود؟
ماذا يعني أي شيء في الأرض، وفي السماء؟
أنا الذي لا يعرف شيئاً دون أن يمر بين يديكِ أولاً
حلمت كثيراً، ونسيت أشياء أكثر
نسيت أيتها الحلوة المكتملة في الضعف
أيتها العاتية في هدوء، وصبر، واستكانة
ربحت كثيراً، وخسرت كثيراً، هذا لا يؤلم
أنت تعرفين
أنا الذي لا يطيق وخزة ألم لمن يحب
أنا الباذل دمي لقاء بسمة على شفاه قريبه
أنا الذي أمضى عشرون عاماً في مؤسسة الخراب
لم أتناول افطاري معكِ، كم سنة؟
لم أقل لكِ مرة، كم أحبكِ؟
لماذا؟
بيد أني لا أحبكِ، وحسب
أنت تعرفين
كم صمتي مدجج باللغة المستحيلة
هكذا دون أن ندري متى، وكيف
هكذا ببطء، وهدوء، وكثير من الحظ
صرنا الكتلة التي لا تقبل التجزئة
أنت تعرفين
كيف أقف على قدمي، ألا أشعر بالخجل؟
كيف أستحم دون أن تكوني على الباب القريب؟
أو يأتي صوتكِ كي أرشف الصابون عن عمد؟
كيف أستيقظ دون هزات يدكِ؟
كيف أأكل؟ كيف أتجول في الشارع؟
لا شيء أعرفه بالضبط
أنا مختل، وضائع، وصغير
أنا تائه، ووحيد، وحزين
أنا شريد، بلا صدر، ولا سند
كم هذا العالم بائس، وفقير
كم هو غبي، وضيق، وبلا فائدة
مازلت أتبسم، قوياً، وقادراً، لا
هذه الأقنعة، المراسيم، الوجوه، اللغة، القشرة
أنت تعرفين
خلف كل هذا
جريح يتوق إلى كلمة لا تخرج إلا منك
يا بابي الوحيد، ونافذتي الوحيدة
يا أبي، وأمي، وأطفالي
يا قصيدتي، ووسادتي، وجرعة مائي
يا نزوتي الأبدية، وقصتي الفريدة
يا زهرتي، يا جمرتي، يا سلوتي، يا أنا
يا كل الضائع مني، والموجود بعينيكِ
يا كل الأحباب، وكل الغياب، يا أنا
يا نشواتي النادرة، ولحظاتي التي لا تمحى
إن كل نقطة دم تعرف تاريخها
مبتداها، ومسراها، وحتى إكتمال العنفوان
أنت قلت لي
أعرف عدد شعر رأسك
أعرف دقات قلبك
أعرف لون عينيك، حرارة دمك
ملوحة دمعك، تاريخ أسفارك، موتك
أنت التي تعرفين ما لا أعرف، كيف لا تعرفين؟
كم أتألم، كم أتالم
من أجل لا أحد سواي، اعتدلي
من أجل مملكة لا يؤسسها إلا إتكائي عليك
هكذا ببساطة
هذا الجبل الراسخ، واالملكوت المكتمل الأركان
قائم على زوايا فمك البني
قائم على ذيل ثوبك الطاهر
قائم على ارتكاز حصاتك النقية
قائم على ايماءة كفك
قائم، قائم، قائم لأنك قائمة وحسب
أيتها الصمدية التي عليها نرتكز، أه
لأجلي مرة آخرى، قفي على قدميك
لأجلي، تعالي، تكلمي، ابتسمي، اصرخي
خاصمي، اشيحي بوجهك لحظة في غضب
ثم عودي إلينا، دائماً أنت تعودين
دائماً، دائماً، دائماً
نحن الغرباء، الوحيدين
وأنت وطننا البر الرحيم
ومن يريد أن يعرف؟
دخان هذا الوجود، وكل ما في الوجود دخان
خمس سجائر على الريق، وخمسون حتى منتصف الليل
غبار في الطرقات، والناس غبار، والكلمات
ومن يريد أن يعرف؟
دخان على العين، وفي القلب دخان، وفي الجهات
وفي رغيف الدخان اشتهاء للبكاء
في اليقين الحزين، والظنون المسننة الحواف
في تشرد الدم الغريب، في الصحو، وفي المنام
في التفاف الدخان على زوبعة لا تتشكل
ومن يريد أن يعرف؟ لا شيء في خط اللهب يقيم
وحدي أرتكز على دخان يّصاعد من روحي
وحدي ألتفت إلى قبلة وجهك، وأناديك
يا أنت، يا أنت، يا الله
أيتها الراضية، المستكينة، لا بأس
لا بأس! أحقا لا بأس؟ أأهذي أنا؟
ربما في الحقيقة لا أريد، لا أريد، لا أريد
أعرف كيف أجدول مربعات الأرباح، والخسائر
أعرف أنني لم أخسر إلا ما يستحق الخسران
أنا الذي يجادل باللفظ كي لا أموت في الحقيقة
أنا الذي يتستر خلف المرايا، الإيحاء، البروق
أعرف أنني ربما، وربما، أي شيء ربما
لكنني لم أعرف قط، لن أعرف قط
أنني الذي يسير في ظلك
أنني أضل بعيداً عن قبضة يدك
أنني متعب، وجائع، ومتسخ
أنني عاطفي، وهش ، وأحمق
أنني كل النقائض مجتمعة، وأنني لا شيء
فقط ألعب في بهو دارك، أٌقذف العالم بالحجارة
ثم أرتد إلى صدرك آمناً
أفعل كل جرائمي، وأعود إليك
سامحيني، ماذا أفعل الآن؟
سامحيني، لا شيء أنا
يعرف البحر، و تعرف الحقول، وتعرفين
منذ عشرون عاماً حلمنا
لم نأبه للأرض، وأشكال المكتوب
انظري الآن، أفيقي من هذا النعاس
أكره الطب، والدواء، وأكره هذا النعاس
أنظري، ها هو الوقت بآسره
كل الزمن الذي ضاع، جاءنا الآن يحبو
أصفو الآن، وأفتح ممتلكات الأعماق
أهبكِ كنز القلب المذبوح على نبضك
أهبكِ ما لا يملك قديس أن يهب الحب
هذا الورد الطافح بالنشوات
هذا الزمن الآت طواعية في كفي
هذا الألق المنثور عطايا
سامحيني، أكاد أجن؟
سامحيني، هذا الوجود لمن؟
أعرف أن لا شيء يتوقف
أعرف ذاكرة الإنسان، وبؤسه
أعرف إيقاع الزمن الحديث، وأن لا وقت حتى للألم
أعرف أن عشرون عاما تفر الآن من دمي
أعرف أنك على الدوام مضيئة هكذا، وضيئة هكذا
.
.
.
.
يا وردة لم تؤلم غير نفسها
هذا اشتهائي الأخير
فقط كوني معي
أو فلتأخذيني معك

سامي سعد
آب 2000