دموع – لسامي سعد

أنت تعرفين كم أكره الهاتف
هذه بداية جيدة
تذكري الآن عشرون عاماً كي تذكريني
أنا أنسى التفاصيل
أنا أنسى التواريخ
أنا المجبول على الدق كالمطرقة الحجرية
أنا الذي خلقني الله بلا دموع كافية
وبأعصاب أكثر مما ينبغي
البارد، المتغطرس، اللاهي، أنا
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتصبب رعباً، لا
أنت تعرفين
أنا لم أحب بشراً بما فيه الكفاية
أنا المتوحش، القاسي، الملول
أنا حفار القبور، راعي الأحزان
عاشق الموتى، وجمل الهموم الثقيلة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي تنسحق روحي، لا
أنت تعرفين
لا سماء، ولا أرض، ولا خليقة
قادرة على أن تأويني، لا
منذ عشرون عاماً أعرف دون خجل
لتقوم القيامة، ليحترق الكون
فقط كوني قريبة، فقط أعرف أنكِ ها هنا
ها هنا تعني أن لا تكوني في مكان آخر
مكان آخر لا يبعد أكثر من نظرة عين
أسمح بالغضب، بالخصام، بالانفجار
قولي أي شيء، وأفعلي ما تريدين
فقط كوني قريبة، كوني ها هنا
أنا الجاحد، الصلد، النائي
أنا العابس، المتقلب، الأناني، أنا
أنا الذي لا يعرف أين مفتاح البيت
وفرشة الأسنان، وباب الحياة؟
يا طلقة الروح الأخيرة
لم يكن يلزمني كل هذا
كي أتفتت، لا
أنا الفاشل في الهديل، والغناء الطري
أنا الحاد، المشاكس، العنيد، أنا
أتضور، أتحرق، أظمأ، أعرى، وأضل
أنا لا أشكو إليكِ
أنت الهيابة، الخائفة، المرتعدة، أنتِ
لماذا تمدين يدكِ للوهم القاسي، كيف؟
لماذا تغادرين حقلك الزاهر، تذبلين؟
لماذا ترقدين، تتألمين، لماذا لا تنظرين إلينا؟
فقط أنت تعرفين، حين تهب الرياح القوية
حين تغدو السبل مهالك، والخطوة شوك
فقط أفعلي كما كنتِ تفعلين على الدوام
اغمضي عينيكِ، وتشبثي بمحراث الأرض الخالد
أحوطكِ بدم القلب، وماء العين
أرفعك عالياً فوق هامة كل موج
أطير بكِ الأقاصي، وأجالد من دونكِ حتى
حجر الكون المسنون
فقط دعيني أحاول مرة آخرى
حاولي معي، مرة آخرى، وآخرى، وآخرى
نجحنا من قبل كثيراً، نستطيع أن نفعل ما فعلناه معا على الدوام
فقط قومي على قدميكِ، واصلي المسير، تعالي
أنت تعرفين
من مكابدة الألم نقوى، نحلو أكثر، ونعلو
أنا الذي يتجول في انحاؤك، وابرة المحلول في وريدي
أنا الذي يصف لك أبهاء الجنة من دهاليز الغياب
أنا المجنون، والقابض على جمر خطوة إلى الأمام
أنتِ تعرفين، ماذا تعني الحياة دون حب؟
ماذا يعني الحب؟
ماذا يعني الوجود؟
ماذا يعني أي شيء في الأرض، وفي السماء؟
أنا الذي لا يعرف شيئاً دون أن يمر بين يديكِ أولاً
حلمت كثيراً، ونسيت أشياء أكثر
نسيت أيتها الحلوة المكتملة في الضعف
أيتها العاتية في هدوء، وصبر، واستكانة
ربحت كثيراً، وخسرت كثيراً، هذا لا يؤلم
أنت تعرفين
أنا الذي لا يطيق وخزة ألم لمن يحب
أنا الباذل دمي لقاء بسمة على شفاه قريبه
أنا الذي أمضى عشرون عاماً في مؤسسة الخراب
لم أتناول افطاري معكِ، كم سنة؟
لم أقل لكِ مرة، كم أحبكِ؟
لماذا؟
بيد أني لا أحبكِ، وحسب
أنت تعرفين
كم صمتي مدجج باللغة المستحيلة
هكذا دون أن ندري متى، وكيف
هكذا ببطء، وهدوء، وكثير من الحظ
صرنا الكتلة التي لا تقبل التجزئة
أنت تعرفين
كيف أقف على قدمي، ألا أشعر بالخجل؟
كيف أستحم دون أن تكوني على الباب القريب؟
أو يأتي صوتكِ كي أرشف الصابون عن عمد؟
كيف أستيقظ دون هزات يدكِ؟
كيف أأكل؟ كيف أتجول في الشارع؟
لا شيء أعرفه بالضبط
أنا مختل، وضائع، وصغير
أنا تائه، ووحيد، وحزين
أنا شريد، بلا صدر، ولا سند
كم هذا العالم بائس، وفقير
كم هو غبي، وضيق، وبلا فائدة
مازلت أتبسم، قوياً، وقادراً، لا
هذه الأقنعة، المراسيم، الوجوه، اللغة، القشرة
أنت تعرفين
خلف كل هذا
جريح يتوق إلى كلمة لا تخرج إلا منك
يا بابي الوحيد، ونافذتي الوحيدة
يا أبي، وأمي، وأطفالي
يا قصيدتي، ووسادتي، وجرعة مائي
يا نزوتي الأبدية، وقصتي الفريدة
يا زهرتي، يا جمرتي، يا سلوتي، يا أنا
يا كل الضائع مني، والموجود بعينيكِ
يا كل الأحباب، وكل الغياب، يا أنا
يا نشواتي النادرة، ولحظاتي التي لا تمحى
إن كل نقطة دم تعرف تاريخها
مبتداها، ومسراها، وحتى إكتمال العنفوان
أنت قلت لي
أعرف عدد شعر رأسك
أعرف دقات قلبك
أعرف لون عينيك، حرارة دمك
ملوحة دمعك، تاريخ أسفارك، موتك
أنت التي تعرفين ما لا أعرف، كيف لا تعرفين؟
كم أتألم، كم أتالم
من أجل لا أحد سواي، اعتدلي
من أجل مملكة لا يؤسسها إلا إتكائي عليك
هكذا ببساطة
هذا الجبل الراسخ، واالملكوت المكتمل الأركان
قائم على زوايا فمك البني
قائم على ذيل ثوبك الطاهر
قائم على ارتكاز حصاتك النقية
قائم على ايماءة كفك
قائم، قائم، قائم لأنك قائمة وحسب
أيتها الصمدية التي عليها نرتكز، أه
لأجلي مرة آخرى، قفي على قدميك
لأجلي، تعالي، تكلمي، ابتسمي، اصرخي
خاصمي، اشيحي بوجهك لحظة في غضب
ثم عودي إلينا، دائماً أنت تعودين
دائماً، دائماً، دائماً
نحن الغرباء، الوحيدين
وأنت وطننا البر الرحيم
ومن يريد أن يعرف؟
دخان هذا الوجود، وكل ما في الوجود دخان
خمس سجائر على الريق، وخمسون حتى منتصف الليل
غبار في الطرقات، والناس غبار، والكلمات
ومن يريد أن يعرف؟
دخان على العين، وفي القلب دخان، وفي الجهات
وفي رغيف الدخان اشتهاء للبكاء
في اليقين الحزين، والظنون المسننة الحواف
في تشرد الدم الغريب، في الصحو، وفي المنام
في التفاف الدخان على زوبعة لا تتشكل
ومن يريد أن يعرف؟ لا شيء في خط اللهب يقيم
وحدي أرتكز على دخان يّصاعد من روحي
وحدي ألتفت إلى قبلة وجهك، وأناديك
يا أنت، يا أنت، يا الله
أيتها الراضية، المستكينة، لا بأس
لا بأس! أحقا لا بأس؟ أأهذي أنا؟
ربما في الحقيقة لا أريد، لا أريد، لا أريد
أعرف كيف أجدول مربعات الأرباح، والخسائر
أعرف أنني لم أخسر إلا ما يستحق الخسران
أنا الذي يجادل باللفظ كي لا أموت في الحقيقة
أنا الذي يتستر خلف المرايا، الإيحاء، البروق
أعرف أنني ربما، وربما، أي شيء ربما
لكنني لم أعرف قط، لن أعرف قط
أنني الذي يسير في ظلك
أنني أضل بعيداً عن قبضة يدك
أنني متعب، وجائع، ومتسخ
أنني عاطفي، وهش ، وأحمق
أنني كل النقائض مجتمعة، وأنني لا شيء
فقط ألعب في بهو دارك، أٌقذف العالم بالحجارة
ثم أرتد إلى صدرك آمناً
أفعل كل جرائمي، وأعود إليك
سامحيني، ماذا أفعل الآن؟
سامحيني، لا شيء أنا
يعرف البحر، و تعرف الحقول، وتعرفين
منذ عشرون عاماً حلمنا
لم نأبه للأرض، وأشكال المكتوب
انظري الآن، أفيقي من هذا النعاس
أكره الطب، والدواء، وأكره هذا النعاس
أنظري، ها هو الوقت بآسره
كل الزمن الذي ضاع، جاءنا الآن يحبو
أصفو الآن، وأفتح ممتلكات الأعماق
أهبكِ كنز القلب المذبوح على نبضك
أهبكِ ما لا يملك قديس أن يهب الحب
هذا الورد الطافح بالنشوات
هذا الزمن الآت طواعية في كفي
هذا الألق المنثور عطايا
سامحيني، أكاد أجن؟
سامحيني، هذا الوجود لمن؟
أعرف أن لا شيء يتوقف
أعرف ذاكرة الإنسان، وبؤسه
أعرف إيقاع الزمن الحديث، وأن لا وقت حتى للألم
أعرف أن عشرون عاما تفر الآن من دمي
أعرف أنك على الدوام مضيئة هكذا، وضيئة هكذا
.
.
.
.
يا وردة لم تؤلم غير نفسها
هذا اشتهائي الأخير
فقط كوني معي
أو فلتأخذيني معك

سامي سعد
آب 2000

فِي ذِكرَى الأعوَامِ السَّوداء

 

“حتى لو لم يأتِ الخلاص، فإنني أريدُ أن أكونَ جديراً به في كلِّ لحظة “. كافكا

المجدُ للتجربةِ، أولاً وأخيراً.

I
لا طريقَ للريح، لا جهات.
رأسي بوابةُ أعاصير،
وحواسِّي دخانٌ يتلاشى.

عشتُ مخذولاً باليقظةِ
فانتهت لحظاتي إلى أرقٍ أزرقِ اللون،
والآنَ مجبولٌ بالغياب،
أترنحُ في سطرٍ من قصيدتي
لم أعدُ أكتبها وتكتبني،
كلانا يفرُّ من الآخر.

II
أكتبُ عن مسافاتٍ مُرتهنةٍ
لا أقطعها، عن وديانَ لا أجتازها،
أكتبُ عن أنهاري التي تجفُّ
في عينيَّ،
عن خلايايَ يغزوها
البياضُ الرمادي،
أكتبُ عن لا نهائية أعوامي المنتظرة،
متى أخرجُ من هنا؟

III
وحيدٌ في قمةِ الخوفِ،
من لي سواي؟

من لآلام السعادةِ المرتقبة؟
من لعذاباتِ السعادة الفائتة؟
لم أكن جديراً بكلِّ هذا الألم
لم أكن جديراً بهذه السعادة،
لم أكن جديراً سوى بالتجربة.

IV
سوادٌ يأكلني، على مرأى الغياب،
يدٌ تغمرني، في صقيعِ التوحد
وابلٌ يَصُبُّني إلى عَدَمِي.

الآنَ أعرفُ أن الحياةَ ممرٌ
ذبُلَ عُشبُه في قدمي،
وانكسرت عتبةُ سياجِهِ
في عبوري.
أعرفُ أنني لن أبرحَ مكاني
إلا حبواً، بعدما تضمحلُ
قدرتي على المشي الصعب
ناحية الله،
الوصولُ جحيمٌ صامت من الشك
تنتظرني نهايةٌ لم أبدأها بعدُ.

V

كل ما أحلمُ به الآنَ كلامٌ؛
أنوءُ بلغته وحدي،
بلاغةٌ باردة الدماء تنظرُ لي،
صوتي يغرقُ في أذني،
وليسَ في وسعي
إنقاذُ صرخةٍ واحدة.

ليسَ في وسعي إنقاذُ
صرخةٍ واحدة !

 

تم تسجيل هذه القصيدة بصوت مي سعيد من قناة أبجدية، شكراً صديقتي مي.

الغزالة – أحمد بخيت

قالت لي الريح
ما قالت
لي الريح
أطغى من الليل
أن تعمى المصابيح
في البرق
ما يسكر الأبصار
فابتسموا
وقهقهوا
حين يأتي الرعد
أو نوحوا
لم تلبس الأرض
أسماء السما
كذبا
إلا ليضربها الطوفان
يا نوح
كم صارخ _ عفوَ يحيا
لاحياة به
إلا الصراخ
طبول حشوها ريح
كم من مسيح
ولا كأسا مقدسة
حاشا ابن مريم
لا راح ولا روح
قبل الصعود
على هذا الصليب
معي
قل لي : من الحب
أم بالحب ممسوح ؟
ما أكثر الضحك الباكي
ولا فرح في الضاحكين
و لا في الجرح مجروح
ونحن لا مقلة إلا ودامعة
ونحن لا كبد إلا ومقروح
معلقون فرادى
كي نموت معا
فأرجحينا برفق
يا أراجيح
تدري الغزالة
أن النبع ليس هنا
لا توقدوا الشمع
إن الدمع مفضوح
إن الضحية لا تبكي
من عجب
في شهوة القتل
أن تبكي التماسيح
يا أخت مريم
لم أنكر محبتنا
إن الكناية إجلال
وتصريح
منذ افترقنا
كـحواء وآدمها
والنزف منفرد
والضلع مجروح
سيري كـخائفة
وإبكي كـ عارفة
عيناك
في الدمع
ترتيل و تسبيح
في الحب
في الموت
في الميلاد
يوجعنا
ن تمنح الروح
أو أن تنزع الروح
ما ضيق الأرض إلا
ضيق خطوتنا
والروح _ بعد _ براح يا تباريح
وما كسونا قوارير الحنان بنا
حتى نصدق أن العطر مسفوح
وما أضعنا مفاتيح الغياب
معا
إلا لنعلم أن الباب مفتوح

رسالة إلى ضمير الكبار: الأطفال فلاسفة العالم

يكتبُ لكم هذا الكتاب: طفلٌ مُتقاعدٌ أجبرته ظروف الحياة على أن يكونَ فيلسوفاً، دون أن يكونَ طفلاً.

هل صادفتم من قبلُ طفلاً يخجلُ من السؤال؟ أو يتوقفُ عنه؟ أو يخاف منه؟ هل صادفتم طفلاً يُراعي حساسية الكبار اللامُبررة تجاه موضوعٍ ما، أو يحترمُ الآداب العامة التي تفرضُ ألا يخوض في أمور معينة؟

حسناً من المُفترضِ ألا يكونَ ثمة أطفالٌ بهذه الصفات، لكن في الحقيقة، كُلنا صادفنا هذا النموذج، ببساطة، لأن مجتمعاتنا مُتخصصة في صُنعه، وبالتالي يُمكننا القول أن مُجتمعاتنا ما هيَ إلا مصانع ضخمة لإنتاجِ كائناتٍ مُشوهة معرفياً، يُطلق عليهم بعد اكتمال التصنيع: الكبار.

الكبارُ كما عرفتهم، هم أشخاصٌ تبدو عليهم دائماً مظاهر التحضر، لكنهم مُولعين بالأمر والنهي والزجر، ويعتقدون أنهم أكثر علماً من الصغار بحكم السنِّ والخبرة والحياة وما إلى ذلك مما يُرددونه دائماً على مسامعنا نحنُ الصغار، وهم في ذلك أشبه بالمُحتكرين الذين يُفضلون أن يتعلق السوق بهم، وأن يظلَّ الآخرون بحاجةٍ إليهم، إلا أن الفرق هنا أنهم يحتكرون الحياة لصالح أنفسهم، وراحةِ بالهم.

الكبارُ غيرُ مُتزنين بالمرة فيما يتعلقُ بشأنِ الأطفال، ولعل هذا هو السبب في أنهم يكثرون من لتعنيفِ، والتحذيرِ، بما يخدمُ مصالحهم، وأفكارهم، وفي أحيانٍ كثيرةٍ؛ أوهامهم وقلة حيلتهم.

وفي سياق التوهم والضلال، دعوني أحدثكم عن المفهوم الضبابي الذي يحمله أغلب الكبار لعلم الفلسفة، إنهم يعتبرونها – كما درسوها في الثانوية – علمٌ لا فائدة منه، وترفٌ فكري لا يشتغلُ به إلا من لديه فائضُ وقتٍ، يُنفقه – أو يُهدره – في التفلسف على الآخرين.

هذا الأمر البغيض والنظرة القاصرة من الكبار، لطالما كانت مصدرَ حنقي عليهم، دون أن أفهم أو أعي الموقف الذي يتخذونه، وهو ما حداني بتحليل نفسياتهم عندما كبرت – أي الآن – خاصة بعدما أدركتُ أن الفلسفة هي الأسئلة، والتي كُنتُ أمارسها كغيري من الأطفال، بالفطرة، ثم أحالت تدخلاتُ الكبار هذه الفطرةَ إلى مسخٍ مُشوه بفعلِ التصورات الخاطئة والسطحية التي يحملها الكبارُ أنفسهم عن الفلسفة، لذلك أصبحتُ كبيراً، غبياً في أغلب الأوقات، روتينياً بغيضاً، وكرهتُ الفلسفة كما فرضوها علينا في المدرسة، كما أصبحتُ أيضاً أسخرُ من أي شخصٍ يسألُ أسئلةً وجودية كالتي كُنتُ أسألها، أو السؤال الأهم الذي يسأله كلُّ الأطفال: لماذا؟

غالباً يبدأ الطفل بفعل ذلك عندما تزجره أنت، وتعنفه على الصداع والقلق الذي يُسببه بكثرةِ أسئلته. وفلسفتكَ أنتَ في ذلك أيها الكبير أنك مشغولٌ جداً عن تلبيةِ المتطلبات العقلية والفلسفية لطفلٍ لا يكادُ يفهمُ شيئاً، أما فلسفتهُ هو، فهي الأقل طُغياناً، إذ أنه – بحكم طفولته – لا زالَ يستكشفُ الأشياءَ والمعاني بقلقٍ طفولي، ودهشةٍ حاضرة على الدوام، إنه يسألُ أو (يتفلسفُ) عليك بكلِّ جسارةٍ وبساطةٍ ووقاحة، وهو ما تتطلبه الفلسفة كي تُحقق الحد الأدنى من الإدارك تجاه البديهيات الكبرى كالموت والحب والعلاقات الإنسانية، يتطلبُ الأمرُ قدراً كبيراً من الإيمان بالسؤال كي ينجح الطفلُ في إيجاد إجابة أو فلسفة لما يكتشفه لأول مرة.

أما أنت أيها الكبير، فإن كنت قد تخليت عن إيمانك بالأسئلة، وآمنت بأنك تملك فقط كل الأجوبة، فتباً لك.


نشرت سابقاً في: شبكة شباب الشرق الأوسط

رسالة إلى شاعر شاب – محمود درويش

التسجيل على ساوند كلاود:

لا تصدّقْ خلاصاتنا، وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أوّل من يكتب الشعر،
أو آخر الشعراء!
إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتداداً
لأهوائنا،
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء.

لا تسل أحداً: منْ أنا؟
أنت تعرف أمّك..
أمّا أبوك… فأنت!

الحقيقة بيضاء. فاكتبْ عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!

إن أردت مبارزة النسر
حلّق مَعَهْ
إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْ

الحياةُ أقلّ حياة،
ولكننا لا نفكّر بالأمر،
حرصاً على صحّة العاطفةْ

إن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!

أنت مثلي، ولكنّ هاويتي واضحة
ولك الطرق اللانهائية السرِّ،
نازلة صاعدة!

قد نُسمّي نضوبَ الفتوة نضجَ المهارة
أو حكمةً
إنها حكمةٌ، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائيّة الباردة

ألفُ عصفورة في يدٍ
لا تعادل عصفورةً واحدة
ترتدي الشجرة!

القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!

المثالُ عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدى

للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردة

شُذَّ، شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ
لتكتمل النشوة الصاعدة

لا تصدّق صواب تعاليمنا
لا تصدّق سوى أثر القافلة
الخُلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلة

كن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْ

الطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهلٌ ومرتفعات، ونهرٌ ومنخفضات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبق
أو المشنقة!

لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهنّ
أخاف عليك من الكاميرات الخفيّات
في سُرَر المطربات

لن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُ

الوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملٌ

لا تفكّر، وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة… والفراشات تكملها

لا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام

قِياسُ الهاويةِ بآلةِ الكلام

I

القدمُ:
سبعُ خُطواتٍ إلى الوراء،
سبعُ أفكارٍ تسبقُ المعنى،
خُطوتانِ إلى الأمام،
عُمرٌ كاملٌ من الكتابةِ،
للوصول.

باطنُ القدمِ:
تأملُ اللهِ في شرقِ البحيرة،
المشيُّ على آثارِه باتجاهِ الداخل.
الغرقُ.

الروحُ:
عُريٌّ لا يَشِفُّ،
تَعرٍ لا يَفضحُ،
هُلامٌ للمادةِ، مَادةٌ للهلامِ،
شبقٌ للقاءِ الغريبةِ.
الشَّرودُ.

الجسدُ:
شَهوةٌ للغريبةِ،
السيرُ عارياً نحوَ البعيدةِ،
امتطاءُ الوَحْشَةِ ليلاً.

دَمٌ للعشبِ،
عُشبٌ ينبتُ في صَدري،
تتوسَّدُهُ القريبةُ،
البعيدةُ
الغريبةُ.

II

وَلَدْتُ نفسي في كهفٍ مُظلمٍ،
فنَمَتْ حَواسِّي في العتمة.
تعلمتُ أن ألمسَ وُجودي،
كي أكونه.

تقتربُ الحقيقةُ مِن دَمي،
في لقاءِ الغابةِ بالليلِ
أسفلَ الشجرةِ كُلَّما
وُلدَ معنىً جديد.

III

أتعوَّدُ الشعرَ،
تلتقي ضِفَّتانِ في آخرِ الليلِ،
في أوَّلِ الأنثى، في عبورِ القصيدةِ
قَمراً يَنزُّ برغبةٍ فِضيةٍ، أو نَهراً مَوجوعَ
البَللِ، أو نَهداً قُدسيَّ الشَبقِ.

الخيالُ الْمُشعُّ للحِكمَةِ،
خيالُ الكلمةِ،
نورُ الظَّلمةِ، ودليلُ الْحُلكَة
الباهرة.

IV

مَنذورٌ للريحِ، ولحلمِ النارِ الصاعدة،
مَنذورٌ لهواجسِ الغريبةِ، لِخوفِ العذراءِ،
للعواءِ، ولِحفلاتِ الأنينِ الجماعيةِ
تُنظمها الحياةُ، ويَرعاها الوجود.

مَنذورٌ للهاويةِ.
السقوطُ إلى العدمِ الْمُمِضِّ،
أن يَطأَ الإنسانُ عَدمَه خارجَ
سياقهِ، من أجلِ كينونةٍ أخرى.
V

دُخانٌ يتكوَّرُ على نفسهِ، ويَخلُقني.
يدُ اللهِ تحيطُ بي وأنا على هيئةِ ذَرَّةٍ، وتَخلقني.
قَصيدةٌ نافرةٌ في دَمي، تتشظَّى فيَّ، وتَخْلُقني.
كَونٌ يتمَدَّدُ في ذاكرتي، ويَخلقني.
ذاكرتي مُمتَدَّةٌ مُنذُ خلقتُ،
ذَاكرتي قُرصٌ ممغنطٌ
لا تنتهي قدرته على التسجيل.

صَوتيَ مَلعونٌ،
صَوتيَ أفولُ الليلِ،
وخَاتمةُ اللحنِ الضائع.

VI

مُصابٌ بلعنةِ التحوُّل.
قَدري مُخبَّأٌ في وَشمٍ
على هَيئةِ ثُعبانٍ أسطوري،
مَرسومٍ فوقَ عانةِ غجريةٍ حسناء.

VII

مَطعونٌ بالمجازِ،
أواجهُ الاسفلت بقناعٍ
يحجبُ عن الآخرينَ رؤيتي
كاملاً،
فأكونُ النقصَ في نظرتهم،
الضعفَ في توَّهُمهم للقوة،
الانحلالَ في تظاهرةِ الفضيلة،
أكونُ المعنى الزائدَ عن حاجتهم،
لأنني بكلِّ كلماتي، لا يحتاجني
أحدٌ سوايَ.

VIII

مَوتي حياةُ الكلمة،
والكلمةُ دليلي نحوَ الأبد.

أحكي تاريخَ الرعشةِ
طوالَ الوقت.
لحظاتي قُربانٌ للضجرِ
كي يَدعَني أخوضُ الموتَ
بسعادةٍ بالغة.

أموتُ كلَّ يومٍ، كي
أحيا قليلاً.

تَحضُّري مثاليةٌ تربويةٌ،
ولُغتي أسلوبٌ غيرُ محايد
لتناولِ الحياة.

مَا الحِيادُ؟
أن تظلَّ على قيدِ
لا شئَ. أن تقفَ
على الحافةِ، ولا تسقطُ.

ما الأملُ؟
أكبرُ داعرٍ يُقيمُ فينا،
ونستطيبُ مُقامَهُ.

ما الخداعُ؟
فضيلةُ هذا الزمان.

IX

أغوصُ في عمقِ دوامةٍ رملية.

أجيدُ تقشيرَ البرتقال.

مُذنبٌ بحالةٍ جيدة.

متوقفٌ عن النبض.

صامتٌ كمقبرة.

مُجرمٌ، بانتظارِ جريمة.

إنسانٌ يحبُّ ظلَّه في الأرض، ويحميه من الشمس.

حارسُ الهاوية سادنُ الخواء،
مَعاً ضدَّ العالم.
ضدَّ الوقُوعِ ضَحَايَا لِمَا هُوَ حَتمِيٌّ.

X

هَاويةٌ تتنفسُ دُونَ عُمقٍ،
لاَ قَرارَ لها.
لا جبالَ تقطعها،
لا وديانَ تتيه فيها كي تصلَ إليها،
إنها تصلُ إليك.

حديث ليلة عارية: تكوير الوجع

تكويرُ الوجع

ورثتُ عن الراسخينَ عيناً يختبئُ انفعالها خلف نظرةٍ ثلجية، ورثتُ عنهم بعض الكلماتِ التي أخاطبُ بها سريرتي فأثبتُ عند البلاء، وألعن في داخلي كل شئٍ دونَ أن تُنبئ شفاهي عمَّا أقول. لم أدهن جسدي بالزبدِ، ولم أشرب من أي ماءٍ مقدس، ولم يحالفني الحظ لمضاجعة أنثى يفوق شبقُها ماءَ جسدي، لقد توجتني كلماتي أميراً للخراب، وأسلمتني أيامي إلى الهاوية.

هذه ليلةٌ ملعونة. إنها ليلة ميلادي، حيثُ انبعثَ في داخِلي رمادُ الطفولةِ، لكنه لم يتجدد، وأنا لا أستطيعُ الهربَ إلا كتابةً.
ها أنا ذا ليلاً. خلف الشاشةِ وحدي، مُتربصاً. لا أدري ما الذي أفعله بليلٍ ثريٍ كهذا؟

لو كانت لدي تلك الأنثى البعيدة عني، المطلة على نافذةِ محادثاتي، لاقترفتُ الآثامَ كلها، الغضب، والشبق . ما أبدعَ الشبق.

أنا ما امتلكتُ وجودي بعد، لم أشعر بحقيقةِ الوجودِ يوماً، لم أشعر بنشوةِ الحياةِ إلا وأنا أفضُّ بكارةَ ورقةٍ بيضاء، ثم أتأملها منتشياً، أما الواقع، فقد تعثر بالفعل الإباحي الردئِ الذي أرخى سدوله على كل شئ. لقد انزلقت أيامي إلى زمنٍ أقفُ على بوابته عالقاً، دون أن أتمكن يوماً من الرحيل.

الليلُ الذي يفورُ في داخلي الآن، ويختلطُ بدمي صبغَ كل شئٍ برائحةِ شهوة، وليس ثمة رائحة أخرى طاغية غير رائحة الشهوة التي تزكم الأنوف، وتستثيرُ أخيلتي.

***
 

أوه يا صديقتي، هذا ليس حباً كما تتصورين، في الحقيقةِ أنا لا يعنيني الحب، هه، لماذا؟ لأنه لا يتضمنُ أي أنثى تستطيع أن تدبغ جسدي بمائها، ولا حتى أنتِ، فأنتِ خجولةٌ بما يكفي لإفسادِ أكثر خيالاتي احتشاماً.
اصمتي، أعلمُ ما تقولين. الحبُّ شعور أسمى من آثام الجسد. كلا يا صديقتي لقد مضى عهد الفضائلِ التي تعرفينها، وهذا زمنٌ ملعونٌ. خيبةُ الأملِ شعورٌ وطني، والمعاني الشعرية في نشيدِ الوطن تلاشت من القاموس، والأغاني لم تعد تغنيها الحناجر، بل أجهزة المونتاج، وتلك الأدوات التي بإمكان المرء استخدامها في مضاجعة نفسه انتشرت في كل مكان، ويمكن طلبها بالهاتف.

حسناً حسناً، لا تقولي الآن تصبح على خير حمودي، لا تقولي ذلك، إني لأنتظركِ منهوماً، وهذه ليلةُ ميلادي، لو كنتِ هنا، سيُحرق هواء تنفسكِ رئتيَّ، وسأمتصُّ الليلَ كقطعٍ من سكر المكعبات.
آه يا صديقتي، جنونٌ أن يكتبَ المرءُ في ليلةِ ميلاده، أحلمُ الآن بنومةٍ سكرى على رمالِ شاطئك، فلمن أقدمني، ولمن أدفعُ كي يُرسلني إليكِ في شُعاعٍ ضوئي؟


تباً. يبلغُ بيَ الشعورُ عميقاً بأنني مُهْمَل. يتيمُ الحكمة وقدري التمرد. ولدتني أمي عقاباً لي. عائشٌ في كلِ شئٍ ممنوع، نافرٌ من كلِ شئٍ مباح. هل لديكِ تفسيرٌ لحالتي؟

لو تعلمين ياصديقتي، سريري – رغم كلِّ شئٍ – أشهى، و ما بعده أبعد من متناول أوهامك. لا تستطيعُ أنثى أن تجتاز سريري عابرةً منه إليَّ إلا عندما تجتاز عُقدي الشهوانية. هل ستفعلين؟

على أبدِ النارِ والطفولةِ أنام، هل تسمعين بروقَ العصور، هل تسمعينَ آهاتِ أحلامي؟

الآن يمكنني أن أغادر، هيا، قولي لي: تصبح على خير، لأقول لك: بل سأصبح على ما أشاء.

– كُن بخير.

- سأحاول.

صلاة

 

الإلهةُ النائمةُ بجانبي لا تتعرى ليدي عندما أعبثُ بجسدها، بل تنهرتي بصوتٍ نائمٍ لا يكفي لصدِّ غبارِ الشهوة.
يَدُها التي تَصُدُّنِي تَكنِسُ غُباريَ الأرجُوَانِيَّ. وأنا أُصرُّ على مُعاودة الهبوبِ وطَمرِهَا بالغُبَار. أنا رسولُ الترابِ، ورحمةُ الأرضِ لأبنَائِهَا.
جَسدِي يَتلُو قُرآنَ الشَّهوةِ، ورياحي تَحمل بُشرَى الْمَطر.
سلامٌ عليكم أيها الهاجعون في مرقدِ التشهي عَاطلونَ عن الفعلِ الْماتع. سلامٌ لجفافكم الظامئ. سلامٌ لأعضائكم البتولُ وهي تتشظى شبقاً لنُتفةٍ من خطيئة.

 

 

تجاوز ضريح لغوي

هُنا يرقدُ شخصٌ ما على وشكِ الموت.

إنه لم يمت، لكنه يوشك أن يفعل. إنه ليسَ مَريضاً، إذا اعتبرنا أن بعضَ بقعٍ جلديةٍ لا تُسببُ الموتَ هذه الأيام. وهوَ أيضاً لا ينوي الانتحار، فالانتحارُ بصقةٌ في وجهِ الخالقِ، وهوَ يحترمُ خالقه جداً، أيضاً فهو لا يركبُ سيارةً تطيرُ بسرعةِ مائتي كيلومتر في الساعة على طريقٍ يؤدي إلى مُنحدر، ولا يقفُ على بنايةٍ يُحتملُ أن تسقطَ هذهِ اللحظة، وهوَ ليسَ في بلدٍ يمتلئُ بالإرهابين، وليس على قائمةِ المطلوبين للخطفِ هذهِ الأيام. لو كنتم تتخيلون ما أعني، فهو في أمانٍ تامٍ هذه اللحظة، لكنه مع ذلكَ على وشكِ الموت.

لا أدري هل يتحكمُ في الأمرِ كما يبدو لي، أم أن قضيته الآن خارج إرادته؟

يبدو أنه قرَّرَ الانتهاء مُنذُ زمنٍ ما. أن يُقرِّرَ إنسانٌ أن يَنتهي، فذلك بالنسبةِ له أعظمُ شئٍ يمكن أن يفعله شخصٌ لم يخترْ قدرَ ابتدائه. لكنه معَ ذلكَ لا يريدُ أن يَنتحر، إنه فقط على وشكِ الموت.

ألحَّ في ذهنهِ سؤالٌ عن قدراتِ الإنسان. تَذكَّرَ تلك القرية في مجاهيلِ استراليا، حيثُ يُنفذُ الجاني حُكمَ الإعدامِ بنفسهِ عن طريقِ تدميرِ أعضائهِ الداخلية بقوةِ التركيز. إذن هناكَ من يموت بمجرد الرغبة في ذلك. اطمئن كثيراً وشعرَ بالأمل.
تناولَ ورقةً بيضاءَ، وقلماً رَصاصاً، ثم كتبَ بخطٍ أنيق: الحياةُ الآن = صفر.

***

في المطبخ، أعدَّ بعض الشاي، لم يكن ثمة نعناع طازج، لذلك اضطر لاستخدامِ بعض النعناع المجفف، لا بأس، فهذا يُرضيه أيضاً. رغبَ أن يُشعلَ سيجارةً، لكنه تذكَّرَ أنه لا يُدخن.
قلبَ في أوراقهِ القديمة، لم يجد لديهِ رغبةٌ في التذكرِ، ولا في الحزن.
تناول الورقةَ والقلم مرةً أخرى، وكتب: الحياةُ الآن احتمالاتٌ متساوية.

***
فتحَ نافذة الغرفة، تنفس رائحةَ الفجرِ وهو يمتلئ بموسيقى هانز زيمر التي تزلزلُ الصمت من حوله، حرَّكَ يده كمايسترو منتشي، غرقَ عميقاً في ضبابٍ حجبَ عنه الرؤية. تلفتَ حوله، وإذا به يرى الصوت، والروح، والملائكة وهي تصعدُ إلى السماء، كان يرى حتى نسائم الفجر التي تتسللُ من نافذةِ الغرفةِ إلى قلبه. أخيراً ارتوت حواسه بعد جفافٍ دامَ طويلاً مُنذُ موته الأخير.
بحث عن الورقةِ سريعاً، وكتبَ عليها: الحياةُ الآن حقيقةٌ بخلافِ العادة.