نخب عدم الوصول إلى الخاتمة

لطالما أحببتُ الأعمال المنقوصة، والقصائدَ القصيرة المكثفة التي تبدو وكأنها تنتظرُ نهايةً ما، ولكنها فعلياً لا نهاية لها، أطلقها صاحبها هكذا كصرخةٍ وحيدةٍ في فضاء. قصائد الهايكو اليابانية مثلاً، أو الحكم الشريرة المعتصرة من روحٍ تعاني.

وثمة دائماً إعجابٌ غامض أكنُّه للعلماء والكتاب الذين لم تكتمل أعمالهم، كما لديَّ ولعٌ بالمسوداتِ التي يكتشفها الباحثون بعد وفاةِ أي عالم أو كاتب، أو الفصول التي يحذفها كاتبٌ قبلَ نشر كتابه لخروجها عن السياق بحسب حكمه الوقتي، في هذه الفصول المحذوفة يكمن جزء كبير من شغفي.

ثمةَ أعمالٌ كثيرة لمبدعين لم يحرصوا على الكمال؛ فبلغوه بتفويتهم له.

وهذا ربما يصفُ لنا ما يُشتَبَهُ أنه دورُ الإبداع، حيث تُضئ كهفَ ذاتك، ريثما تعتادُ العينان على الرؤية في العتمة.

تَضجُّ هاويتي بعشرات المسودات غير المكتملة، والتي أحياناً أراها جديرةً بالنشر على حالها دون خاتمة أو تنسيق.

أيضاً لدي ولعٌ سري بكتابة السطرِ والسطرين، أجمعها في كتابٍ وضعتُ له عنوان: نتوء..ات، وكلها أفكارٌ وحيدة لا رابط بينها سوى تقلبات مزاجي، كطلقةٍ وحيدةٍ دون حرب، لا تتبعها أي طلقاتٍ أخرى، يا لها من طلقةٍ حزينةٍ تلك المدوية دونٍ احتشادِ الأسلحة، يا لها من عبقرية حزينة تُمزق شيئاً ما بأنيابها

لا أهتمُّ بتفكيك المعنى قدرَ ما أهتمُّ برسمه مُختصراً ومُركزاً، وأعملُ كلما تفتق الذهنُ على نحته وحفرِ تجويفاتٍ جديدةٍ في صخرةِ الكتابة.

أيضاً تقبعُ في مكتبتي عشراتُ الكتبِ التي لم يتسنَّ لصفحاتها الأخيرة أن أفضَّ مكنونها، وكنتُ أعتقد أن اكتفائي بالمقدمات، أو توقفي في منتصف القراءات – الفكرية خاصة – كسلٌ مذمومٌ يجبُ أن أتخلص منه، ثم صادفتُ هذا المقطع في كتاب فالتر بنيامين: شارعٌ ذو اتجاه واحد: ( المقطع في أول الكتاب 🙂
يقول:

الأعمالُ المكتملةُ أقلُّ وزناً بالنسبةِ للأشخاصِ العظام من تِلكَ الشذراتِ التي يستمرُّ عملُهم عليها طوالَ حياتهم. فالشخصُ الأشدُ وهناً، والأكثرُ تَشتُّتَاً؛ هو وحده الذي يستمدُّ لذةً لا مثيلَ لها من بلوغِ الخاتمة، فإنه بذلكَ يشعرُ أنه قد عادَ إلى حياتهِ من جديد. أما بالنسبةِ للعبقري، فإنَّ كُلَّ انقطاعٍ، حتى في ضرباتِ القدرِ العنيفة، يسقطُ عليهِ مثلَ الوسن اللذيذ، في الكدحِ الدؤوبِ لورشةِ عمله ذاتها، والسطوةِ السحريةِ لذلكَ الكدح هيَ التي يَجمعُ أطرافها في الشذرةِ.” العبقريةُ هيَ كدحٌ دؤوبٌ “.


لاحقاً أصبحتُ ألتمسُ الأعذار لنفسي، ولكلِّ المهووسين بالنقصان مثلي، سألتمس الأعذار لكم جميعاً يا أصدقائي، وأكتبُ نَاقِصَاً، وأشربُ نُخبَ ضَياعِ الاكتمالِ الشرير الذي قد يقضي علينا جميعاً يوماً ما.
Leave a Reply

Physical Address

304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124