تخطى إلى المحتوى

دورُ الأدب في خلقنا وتشكيلنا، إلى نهال عمران

عزيزتي زيتونة، أو نهال من آل عمران،

عطفًا على مهاتفتنا بالأمس، اسمحي لي بارتكابِ جريمةٍ عنصريةٍ بسيطةٍ، وهي تقسيمُ الأصدقاء إلى نوعينِ على أساسِ طبيعةِ قراءاتهم:

  • أصدقاءٌ يقرأونَ الأدب.
  • وأصدقاءٌ لا يقرأون الأدب.

وغنيٌّ عن القول أن الأصدقاء الأقرب إلى قلبي هم قارئي الأدب ومتذوقيه، ومنهم أنتِ صديقتي الجميلة نهال، أبارككِ وقد فتحتِ  نافذةَ نورٍ في عقلي بحديثكِ عن الأدب والطاقة والأنثروبولجيا والعلاقات والإله وكلِّ شيء، أنتِ من فئة النساء المُلهمات الجميلات، ومن أهل الأدب والقداسةِ والثورة، وأنا من فريقكِ وأنتِ من فريقي. وأنا من جماعتكِ وأنت من جماعتي، وأنا من أهلكِ وأنتِ من أهلي. واسمحي لي أن أذكرَ بعد قليلٍ شيئًا من فيض تواصلنا في هذه التدوينة، رغبةً وإفصاحًا عن جمالٍ أعيشه، لكنني أولًا أودُّ الإشارة إلى ملاحظتي بأنَّ أهلَ الأدب يميلون دائمًا إلى الموسوعيةِ في الاطلاع، وتضمُّ قراءاتُهم أغلبَ موضوعاتِ المعرفة، بتسامحٍ ومرونةٍ ورشاقةٍ تقفزُ من تأملِ وردةٍ في الحديقةِ إلى كوكبِ الزهرةِ شخصيًا، مرورًا بكتبِ الطبخِ والقصائد.

أما الأشقياء (النوتي) الذين لا يقرأون الأدب، ممن أعرفهم على الأقل، فهم على الأغلب من أتباع هراء التنمية الذاتية والبرمجة اللغوية العصبية، ومثلِ هذا الدجل، ومن سماتهم الانغلاق والتحفظ ومحدودية الخيال والافتقار لخفة الدم.  

قبلَ أيامٍ، كنتُ أتأملُ في الدور الفكري للأدب، بخلافِ دورهِ في الإمتاعِ والإلهام، فوجدتُ أن الأدبَ له قدرةٌ على التأثيرِ في الأفكارِ والسلوكِ والقناعات، فالمعاني حينَ تُصاغُ بطريقةٍ أدبية، تمسُّ النفسَ مباشرةً عن طريقِ التحريضِ العاطفي، وهو ما يخلقُ لدى المتلقي جاهزيةً عاطفيةً تُحركهُ ناحيةَ الفعل.

الأدبُ كما أحسُّه هوَ فعلُ تمنعٍ ومقاومة، لا فعلُ تمتعٍ فقط. والأممُ غالباً تنهضُ بنهضةِ أدبائها أولاً، وليس علمائها. إذ أنَّ الحياةَ العلميةَ الخالصة، هيَ حياةٌ مملةٌ مزهقةٌ لروحِ الإبداع.

لديَّ دفترٌ أكتبُ فيه أفضل الاقتباسات التي أعثرُ عليها أو تعثرُ عليَّ، وقد دونتُ فيه قبل فترة مقولةً لألبرت أينشتاين وهوَ يحكي عن اكتشافه للنسبية:

” لم أكتشف النسبيةَ وأنا في معملي، أو بين المعادلاتِ والأرقام، بل اكتشفتها وأنا مستلقٍ على تلةٍ خضراءَ، وسافرتُ بفكري معَ شعاعٍ شمسي، وكنتُ أرفضُ أن أعود. وسرحتُ بخاطري معَ خضرةِ الحقولِ، ومرجِ الأرضِ.. وكنتُ أدعُ نفسي تتعجبُ وتنبهرُ بالجمال ” .

البعضُ من أصدقائي القراء المدمنينَ على القراءات الأكاديمية والفكرية لا يقرأون الأدب، أو يعتبرونه غيرَ ضروري، بل ثمةَ من يسخرونَ من قراءةِ الآداب والشعر، باعتبارهِ ترفًا مَعرفيًا، بينما الأدبُ -في رأيي – ضرورةٌ وليسَ خيارًا، ليسَ مِمَّا يُمكننا الاستغناءُ عنه بسواه، فلا يُمكنُ أن ندعَ الأدبَ ونكتفي بالفلسفةِ مثلاً، زاعمينَ أن الفسلفةَ أجدى وأكثر منطقية، فما سنفتقده هنا هو الاتصالُ بإنسانيتنا شعوريًا ووجدانيًا، والإنسانُ كائنٌ عاطفيٌ (جدًا)، وأغلبُ الناسِ تُحرِّكُهم عواطفُهم ومشاعرُهم، وبدونِ الأدبِ لن يتولَّدَ الفعلُ المقاومُ للظُّلمِ والقبحِ، ولن ينخلقَ الموقفُ المتفاعلُ إنسانيًا تجاه الحياة والقضايا والأشياء. الأدبُ يُلهمُ. الأدبُ يُحرِّض. 

وإنني أشفقُ حقًا على الزاهدينِ في الأدبِ من أصدقائي، أو دعوني لا أسمِّيهم أصدقاء من بابِ القطيعةِ الـمُعلنة والموقفِ الراديكالي الحاسم، وسببُ الشفقةِ أنهم يفوتهم الكثير، وينفصلون عن إنسانيتهم بمقدارٍ كبير، وتزدادُ نفوسُهم فقرًا وتعاسةً بقدرِ ابتعادهم عن ترياق القصيدةِ وسحر الروايةِ، بل وهناك شريحةٌ من الناس، أحمدُ الربَّ أنهم ليسوا في حياتي بعد الآن، يرونَ في الأدبِ والفلسفةِ والعلومِ التطبيقيةِ الحديثةِ، علمًا لا ينفع، وأأسفُ أن والدي واحدٌ منهم، وقد كان يريدُ لي أن أكونَ على غرارِهِ ومثاله، بحجةِ أن ما يُسمَّى بالعلومِ الشرعية أو علومِ الدين الإسلامي هي الأصلُ، وتأتي بقيةُ العلومِ في مرتبةٍ أدنى وأقلَّ أهميةً، وهو فهمٌ قاصرٌ للمعرفة والتاريخ بل وللدينِ نفسه، الذي يدعو إلى التفكِّرِ في آياتِ الله والآفاق والسنن، والذي يلزمه الشعور بطاقةِ الكونِ ولمسِ مادته، لا إلى الامتلاءِ بفساءِ الفقهاء وصخبهم الفارغ، قاتلَ الله الوهم.

للأسف أن هذا القصور الذوقي والعقلي يشيعُ في الوعي الجمعي للذهنية العربيةِ البائسة، مع أن تلك الذهنيةُ نفسُها، تفتخرُ ببعض العلماء الموسوعيين ممن كانوا أدباء وعلماء في حقولٍ شتَّى، كما أننا نرى من خلال الإنتاج الفني، أن المجتمعات الأكثر استهلاكًا للفنون وخاصةً الأدب، هي بالضرورةِ مجتمعاتٌ متطورةٌ وأكثرُ عدالةً وحريةً من مجتمعاتنا، فمتى فقدنا البوصلة؟ ولماذا لا نستعيدها؟ 

***

أعودُ إليكِ عزيزتي زيتونة، نهال الأجمل، في مهاتفتنا المطولة، كنا نتحدثُ عن الأدب، وأودُّ أن أصيغ بعض الأفكار التي تبادلناها بشكلٍ أوضح، لأنَّ لديَّ كلامًا أريدُ تدوينه ليبقى.

بالنسبةِ لي، الحنينُ إلى الأدب ياعزيزتي، هو ذاته حنينُ الإنسانِ  إلى الإنصاف، وإلى المثالية، وإلى القيمِ الساميةِ، وإلى الجماليات الأخلاقية، يبدأُ منذ أولِ إحساسٍ جميلٍ تُهديهِ الكلماتُ التي نقرأها بمتعةٍ بالغة، وعاطفةٍ عقليةٍ وشعورية أشبهَ بتيارٍ كهربي، ومعَ أولِ فكرةٍ مبدعةٍ تجولُ في خاطرنا المرهف، وتكبرُ فينا لتظلّ مُحرضًا خفيًا قد يكونُ سببَ  التغير ذات يوم.

كم من إنسان تغيرَ إثرَ قراءته لرواية، أو لقصيدة، أو مشاهدته فيلمًا سينمائياً؟

إن هذا الإحساس هو قرينُ الرغبةِ إلى الفعلِ المماثل، والكينونةِ المماثلة، كأن نرى صورتنا تنعكسُ في مرآةِ شخصيةٍ روائية، أو بطلٍ في فيلم سينمائي.

وسرعانَ ما يتولدُ من هذه النظرة ما يشبهُ الرفض، رفضُ ما يسجنُ الإرادة، والتأكيدُ على الحريةِ المنافيةِ للإجبار، وقيدِ الزمن، وقيدِ التقاليد، وحتى قيودِ اللغة، وقيودِ السياسةِ والدعواتِ القمعيةِ. رفضٌ لقيودِ الماضي، والرجالِ الخارجينَ من بطونِ التراث، (الشيوخ، والرجال التي ملأتها الشروخ، هؤلاء الذين يُحبُّون طعم الثريد، وامتطاء العبيد)  الذينَ انتهكوا ماضويةَ التاريخِ، وأتوا بهِ يرسفُ في أحداثِه ليكونَ منهجًا حاضرًا لزمننا الوحيدِ الأجمل، الزمنِ الحاضر الذي لن نعيشَ سواه، اللحظةِ الراهنة الطازجة، يريدونَ لنا أن نعيشها ماضيًا.

الإنسانُ هوَ اختيارُه، واختيارُهُ هذا علامةُ حرِّيتِهِ وشعارُ مجدِهِ. والاختيارُ فعلُ تحركٍ نحوَ الآتي. وإبحارٍ نحوَ الأفضل. إنه وصلٌ للانقطاعِ الذي يفصلُ بينَ زمنِ الرمادِ وزمنِ الورد، بينَ أزمنةِ الذاكرةِ، وأزمنةِ التخيل .

الرفضُ علامةُ الحياة، ودليلُ الابتداء. 

تحدَّثنا ياعزيزتي عن الجنينِ الذي يضربُ بقدميه بطنَ أمِّه، يريدُ الخروج، يبدأُ مشوارَ تمرده على جنينيته، إنه يريدُ أن يخرجَ إلى العالم ليشقَّ طريقه في الحياة. يريدُ أن ينطلق. فيضربُ برجلهِ، ويضربُ، تارةً برفقٍ كطرقاتٍ خفيضةٍ، وتارةً بعنفٍ كإعلانِ تمردٍ، ويتحركُ ويتململُ في مكانه حتى يخرجَ، ثمَّ عندما يخرج، يكونُ أوَّل ما يفعله هو البكاء، والاعتراض على وجوده الجديد، وواقعه الجديد.

ولعلَّه كان محقاً من قالَ : تبزغُ شمسُ الحقيقةِ بالضرورةِ حيثُ ينهضُ التمنعُ والمقاومة .

عندها يُولدُ الفكرُ الحر.

أيتها الزيتونةُ النورانية، ها أنا أجدُ بكِ عِوضًا رائعًا عن تعاسةِ لحظتي الماضية، وشريكةً مقدسةً للحظاتٍ كثيرةٍ آتية. 

أخبرتكِ أني أعاني تشرذمًا واضطرابًا وتشاؤمًا، في الحقيقةِ أصبحت لي أكثر من عادةٍ سيئةٍ منذ وصلتُ إلى قاهرةِ المُعزِّ هذه، والتي هيَ الآن مقهورةٌ ومريضةٌ بالاستبداد السياسي والمجتمعي، لكنني سعدتُ بوردةٍ تتفتحُ وسط حقلٍ من رماد.

ظَلِّي وليفَةً ودائمةً ومشرقةً ومحرِّضةً على كلِّ شيء، وظلِّي قريبةً من القلبِ ونبضاته، تزجرينه إن توقَّفَ عن العمل، وتباركينه إن نبضَ بالقصائدِ والجمال. 

دمتِ لي نهال الأعز، والأغلى، ودمتُ لكِ كائنًا متفاعلًا كالذي تشتهين..

ألتقيكِ على أدبٍ عزيزتي ..

2 فكرتين بشأن “دورُ الأدب في خلقنا وتشكيلنا، إلى نهال عمران”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *